وقد قال شيخنا أبو علي ، رحمه اللّه : ان أكثرهم انما يجحدون وجوب المناظرة لا النظر الّذي ينفرد به الانسان ، فيفكر بقلبه فيما له وعليه .
فأما أصحاب الاضطرار والالهام فلن يبلغ قدرهم المبلغ الّذي لا يجوز عليهم التواطؤ وجحد ما يعلمون ، لأنهم من أول أمرهم إلى هذا الزمن يقل عددهم ، ومن ينتسب من العامة إليهم لا يعرف أكثرهم هذا المذهب فضلا عن أن يقال : انه يدين به . فإذا صح ذلك ، فارق حالهم فيما ألزمونا لما ألزمناهم ، لأن من يخالف أصحاب الاضطرار ويقول بوجوب النظر وبأن المعارف اكتساب عددهم لا يحصيه الا رب العزة كثرة ووفورا وانتشارا ، فكان يجب على قولهم أن لا يصح من جميعهم أن يجحدوا ما يعلمون ، لأن عندهم أنهم أجمع قد / علموا سائر الحق وفصلوا بينه وبين غيره . فكان يجب ، على هذا ، أن يعلم جميع العقلاء ما يقوله في العدل والتوحيد والنبوات والشرائع ، وأن يعلم من حال أهل الكتاب والمشبهة والمجبرة وغيرهم أنهم مكابرون جاحدون لما يعلمونه باضطرار . ولا فرق بين من ادعى على جميعهم ذلك ، وبين من ادعى عليهم أنهم يعرفون الضمائر والغيوب ، وان جحدوا معرفة ذلك . وأنتم تعرفون كل ما لا دليل عليه ، وان جحدوا معرفة ذلك . والقائل بهذا القول قد بلغ في المكابرة الحد الّذي يجب مكالمته .
واعلم ، أن هذا العلم لا يجوز أن يحصل للعاقل عند ورود الخاطر والداعي ، على ما بيناه . فأما بعد ذلك ، فإنه لا يمتنع فيمن ترك النظر أن يدخل على نفسه شبهة تغير حاله ؛ وذلك ، في بابه ، بمنزلة العلم المدرك ، وقد تقضّى ادراكنا له ، لأن السهو يجوز عليه والحال هذه . وفي حال
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 382
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٨٢