على فطرة العقل لعلمت قبحه . وهو مع ذلك ، على ما بيناه ، يحصل متى علم في النظر أنه مما يتحرز به من الخوف الّذي نخشاه بتركه .
وقد قال شيخنا أبو علي ، رحمه اللّه في نقض كلامه : انه لا بدّ من أن يعلم في النظر أنه يؤدى إلى الكشف ، وأنه عند فعله أقرب إلى المعرفة منه إذا لم يفعله . وذكر أنه متى اعتقد فيه خلاف ذلك ، لم يحصل له العلم الضروري لوجوبه ، لأن الغرض بالنظر هو التبين ، وانما يلتمس به زوال ما يخافه من هذا الطريق . لأنه إذا علم وتبين طريقة الخوف ، أخذ في التحرز . فإذا صح ذلك لم يجب فيما هذا حاله أن لا يصح من الجمع الكبير انكار وجوبه من حيث اختلفت أحوالهم وأوقاتهم في حصول هذا العلم فيهم . وليس كذلك ما يدعيه على أصحاب الضرورة ، وذلك أنهم / يدعون على جميع العقلاء ممن خالفهم أنهم قد علموا الحق في حالة واحدة ، وأن هذا العلم مبتدأ في عقولهم من قبل اللّه ، تعالى ، كالعلوم التي هي عنده من بداية العقول . فكان يجب ، لو كان ذلك حقا ، أن لا يصح منهم مع كثرتهم جحد ما يعلمون ، وكان لا يصح فيهم التنازع الشديد ولا النظر فيما العلم به قد حصل . فإذا ثبت أن هذا حالهم علم بذلك بطلان القول بالاضطرار والالهام .
فقد بان لك بجملة ما بينا الفصل بيننا وبين القوم فيما ألزمونا . على أنه لا يكاد يثبت جحد وجوب النظر من سائر من خالفنا ، وذلك أن من تراه ينتسب إلى القول بالتقليد يظهر منه الفزع إلى النظر ، وان أنكر ذلك بلسانه ؛ بل ربما فزع إلى المجادلة والمناظرة ونسي مذهبه في التقليد ، إلى أن يضيق به المسلك فيفزع إذ ذاك إلى التقليد . فكيف يقال فيمن هذا حاله أنه يجحد وجوب النظر ؟
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 381
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٨١