القادر منا ، علم أن فاعله بهذه الصفات . وقد علم في الجملة أن القبيح لا يؤثره العالم بقبحه وبنقص فاعله ، الا عند حاجة أو تقدير حاجة .
وإذا تعالى القديم عند هذه الصفة ، علم أنه لا يفعل القبيح ، وأنه لا يكلف ما لا يطاق . ولا بدّ من أن يكلف ويبعث الرسل ، وهذه الأمور واضحة ؛ فكيف يقال : ان النظر في باب الدين يدق ويغمض ويجعل ذلك ذريعة إلى نفى وجوبه ومفارقته للنظر في باب الدنيا ، مع أن الخوف الّذي يحصل في قلب العاقل إذا هو ترك النظر في باب الدين أعظم من كل خوف ؟ لأن دعاة الدين إذا خوفوه من النار العظيمة الدائمة إذا هو عصى وجهل ، ورغبوه في النعيم المقيم ، وتكرر ذلك على سمعه مرة بعد مرة ، وسمعه عند تلاوة القرآن وعند مذاكرة أهل العلم ، إلى غير ذلك ، وكان هذا المكلف ممن يرجع إلى ديانة ، فان الخوف يشتمل عليه ويستغرق قلبه . ومتى بينوا له طريقة النظر الّذي خوفوه منه ، كان إلى أن يبلغ المراد في باب النظر في الدين أقرب منه في باب النظر في الدنيا . لأنه لا طريق له يتضح عند العقلاء وهو موقوف على اجتهاد العاقل ، ويختلف بحسب اختلاف ما ينظر فيه .
وإذا صح ذلك ، فلو جعل هذا القول موجبا للنظر في باب الدين دون النظر في باب الدنيا ، لكان أقرب مما أورده السائل . /
فأما قولك : انه لو وجب النظر في باب الدين لوجب عند التخويف النظر في الجزء والطفرة وسائر الفروع ؛ فإذا لم يجب ذلك ، والتخويف وارد عليه ، فكذلك في سائره ؛ فبعيد . وذلك ، لأنه لا بدّ عند ورود التخويف عليه من أن ينبه المخوف على الوجه الّذي له يخاف من ترك
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 370
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٧٠