قوى بالبقاء ، أنه يأخذ في طريق الحيلة ، إذا كان تحرزه من تلك المضرة يختص هذه الأوقات ، كما يتحرز من المضار المتقاربة . فكذلك القول فيما قدمناه ، خصوصا إذا كان الضرر الآجل يعظم قدره ولا يمكن التحرز منه الا في هذه الأوقات ، فيجب التحرز منه على ما بينا .
وأما قولك : ان النظر في باب الدين إذا وجب في طريقه أن يكون دليلا ، فكذلك المنبه عليه يجب أن يكون حجة ، / وأن لا يعتبر بقول الدعاة في ذلك ، ويخالف النظر في باب الدنيا ، فبعيد . وذلك أن الأنبياء ، صلوات اللّه عليهم ، متى خوفوا من ترك النظر لم يعلم من حالهم الا مثل ما يعلم من حال الداعي ، لأنه لا سبيل لمن ينظر في معرفة اللّه فيعلمه بعدله وتوحيده وأنه حكيم ، أن يعلم أن الرسول صادق وأن المعجز يدل على صدقه في النبوة . وإذا لم يكن له إلى ذلك سبيل ، حل قوله عنده محل قول الداعي في أنه يعمل به لما يقارنه من الأمارات ، فلا تكون له مزية . فان صح وجوب النظر إذا كان المخوف نبيا ، فيجب أن يكون واجبا وان لم يكن نبيا ، لما بيناه . الا أن يقول قائل : ان عند قول النبي يقع العلم بالطبع اضطرارا ، كما قاله الجاحظ ، وعند قول غيره لا يكون هذا حاله ، فيكون لهذا الفرق اذن تأثير . وقد بينا فساد ذلك ، وبينا أن على قوله لا تصح التفرقة بينهما .
لأن الضرورة لا تفتقر إلى قول لرسول « 1 » متقدم ، لأنه تعالى قادر على أن يهيئ المحل لذلك الطبع . فيضطره ، وان لم يكن هناك رسول فلا تصح هذه التفرقة أيضا . وإذا لم تصح له ، لم يكن لأحد أن يتعلق بها . لأن كل من خالف في هذا الباب ، لا يقتضي مذهبه التفرقة بين الرسول
هامش
( 1 ) لرسول : في الأصل « الرسول » .