والداعي ، لأنه ان كان من أصحاب الاضطرار فلا وجه لذلك عنده ، وكذلك ان كان من أصحاب الاكتساب . وهذا يبين سقوط التعلق بهذا الفصل .
وأما قولك : ان النظر في باب الدين ينبغي به الوصول إلى موافقة / إرادة الحكيم ، ولا يصح أن يعلم أنه مريد لذلك دون ضده ؛ فكيف يصح وجوبه ؟ فبعيد . وذلك أن النظر في باب الدين وان كان لا بدّ من أن يكون مرادا للّه ، تعالى ، فغير واجب أن يعلم المكلف ذلك من حاله . لأنه في وقت وجوده لا يعرف اللّه ، تعالى ، فبأن لا يعرف ارادته وكراهته أولى . ولسنا نقول : ان المبتغى به موافقة إرادة الحكيم ، بل نقول : المبتغى به القيام من حيث كان واجبا ، لئلا يستحق الذم بتركه ، وليتحرز به مما يخشاه . فإذا صح ذلك ، كفاه أن يعلم وجه وجوبه ، ولا يجب أن يعلم أنه موافق للإرادة . وقد بينا ، من قبل ، أن إرادة الحكيم للنظر انما تعلم بعد أن ينظر العاقل فيعرف اللّه ، سبحانه ، بنظره ، ثم يعلم بتوحيده وعدله وأنه حكيم ، ثم يعلم أنه لم يكن ليوجب في عمله المشاق على وجه مخصوص الا لغرض هو التكليف ، فيعرف عند ذلك أنه تعالى مريد لذلك . وقد علمه بالإرادة في حال فعله للنظر ، إذا لم يخرجه من أن يعلم الوجه الّذي له يجب ، لم يخرجه من أن يعلم وجوبه .
وبعد ، فانا لا ننكر في النظر في باب الدنيا ، إذا كان واجبا ، أنه تعالى يجب أن يكون له مريدا ، كسائر الواجبات . فان قدح ما ذكرته في وجوب ذلك النظر ، قدح في وجوب هذا أيضا . وفي هذا ركوب الجهالات .
وأما قولك : ان النظر في باب الدين يغمض طريقة ويلتبس بغيره فيفارق حال النظر في باب الدنيا ، فبعيد . وذلك أنا لا نوجب النظر في باب الدين
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 368
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٦٨