اعتقاد ، من حيث شبّه بعقد الحبل واحكامه ؛ ووصف العالم معتقدا ، من حيث كان العلم ، الّذي به علم ، اعتقادا . ولذلك يوصف بأنه عالم ، قبل العلم بالعلم أصلا ؛ ولا يوصف بأنه معتقد ، الا بعد اثبات العلم اعتقادا . فلذلك لا يجب وصفه تعالى بأنه معتقد ، لما كان عالما بذاته ، وفارق حاله حال الواحد منا . ولأن المعتقد وصف بذلك ، لأنه / عقد بقلبه على ما اعتقده ؛ كما وصف بأنه مضمر أو اخبار وقصد ، لأنه أضمر بقلبه الشيء ، إذا أراده ونواه . فإذا استحال القلب عليه تعالى ، لم يجز أن يوصف بأنه معتقد ، وان كان له حال العالم منا .
وذكر شيخنا أبو عبد اللّه ، رحمه اللّه ، أن القديم ، تعالى ، له مثل حال المعتقد . لأنه إذا استحال كون العالم منّا عالما الا وهو معتقد لما علمه ، وكونه عالما يقتضي حكما زائدا على كونه معتقدا ، فيجب أن يكون تعالى ، إذا كان عالما ، أن يكون بهذه الحال . وانما يجوز أن يحصل تعالى مثل حال الواحد منا ، وان لم يحصل له الحكم الزائد ، نحو كونه مدركا وان لم يكن آلما . فأما أن يحصل له الحكم الزائد الّذي لا ينفصل من الصفة ، ولا يحصل له ، فمحال . لكنه لا يوصف بأنه معتقد ، لأن هذا الرسم جرى على العالم منا مجازا وتشبيها . ولا يجوز استعمال المجاز فيه تعالى ، الا بورود سمع فيما لم يرد ، فيجب أن لا يسوغ استعماله على وجه .
وهما رحمهما اللّه ، يقولان : لو كان له حال المعتقد ، لوجب كونه معتقدا لنفسه ؛ فكان يجب أن يعتقد الأشياء على كل وجه يمكن أن يعتقد ، ولا معتبر بالعبارات في هذا الباب ، كما لا يلزم المجبرة ، في قولهم : انه مريد لنفسه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 28
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٨