فينتفى الاعتقاد دون العلم ، أو العلم دونه ، وهذا محال فيثبت بذلك ، أن العلم يرجع إلى الاعتقاد ، على ما بيناه .
وبعد ، فلو كانا معنيين مختلفين ، لم يخل القول فيهما من وجهين :
اما أن لا يصح أن ينفك أحدهما من الآخر ، وهذا يوجب حاجته إلى ما يحتاج إليه ، وحاجته إلى نفسه . أو يصح أن ينفك أحدهما من الآخر . فإن كان الآخر لا يصح أن ينفك منه ، فكان يجب أن لا يمتنع ، على بعض الوجوه ، أن يصير الاعتقاد واقعا على الوجه / الّذي عنده تسكن نفسه ولا يكون عالما ، أو يحصل عالما ولا يكون معتقدا . وفساد ذلك يبين أن العلم هو الاعتقاد الواقع على بعض الوجوه .
ولذلك قال شيخنا أبو علي ، رحمه اللّه ؛ انه يلتبس بالجهل ، وبما خالفه من الاعتقادات ؛ ولو كان مخالفا له في الجنس ، لم يجب ذلك ، مع زوال الشّبه . ولذلك قالا رحمهما اللّه ان العلم من جنس الجهل .
ولم يعنيا بذلك أن يماثله ، وانما أرادا أن الاعتقاد لما اعتبر في كونه علما وجهلا لمتعلق ، وجاز إذا علم أن زيدا في الدار في وقت يتصور أنه ليس فيه ، فيعتقد على هذا الوجه ، ثبت أن اعتقاد كونه في الدار هو معنى معقول ، كان زيد في الدار أو لم يكن فيه ؛ وان استحال أن يحصل قط العلم في حال يجوز أن يجانسه ما هو جهل ، كما يجوز أن يوجد في حال وجود الصدق ما يجانسه من الكذب .
فان قال : ان كان العلم لا يكون اعتقادا ، فيجب أن لا يكون العالم بالشيء الا معتقدا له ؛ وهذا يوجب كون القديم ، تعالى ، معتقدا .
قيل له : قد أجابا رحمهما اللّه ، عن ذلك : بأن العلم انما وصف بأنه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 27
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٧