الضرر الّذي يخافه في ترك النظر في باب الدين ليس يعلم بالعادة ولا هو جهة للمضار المعتادة ؛ وليس كذلك النظر في باب الدنيا . ولأن النظر في باب الدين يخشى فيه مضرة آجلة ، وليس كذلك النظر في باب الدنيا ، لأن ما يخشاه في تركه معجل متوقع ، وللمعجل من هذا الجنس من الحكم ما ليس للمؤجل . ولأن النظر في باب الدين كما يجب في طريقه أن يكون دليلا قاطعا ، فكذلك المنبه عليه والمخوف منه يجب أن يكون مقبول القول ، كالأنبياء ، صلوات اللّه عليهم . وليس كذلك النظر في باب الدنيا ، لأنه كما لا يجب أن يكون في دليل ، فقد يصح أن يثبت الخوف في تركه عند خبر المخبر وان لم يقطع بصحته . ولأن النظر في باب الدين ينبغي فيه الوصول إلى موافقة إرادة الحكيم وليس يعلم أنه مريد لذلك دون ضده ، وليس كذلك حال النظر في باب الدنيا . ولأن النظر في باب الدين يغمض طريقه ويلتبس بغيره ، وليس كذلك حال النظر في باب الدنيا ، لأنه كما تعرف حاله اضطرارا فكذلك حال ما ينظر فيه ويتأمله . ولأن النظر في باب الدين لو وجب ، لم يكن بعض ذلك بأن يجب عند دعاء الداعي أولى من غيره ؛ فكان يجب أن يلزم العاقل متى خوف من ترك النظر في الجزء والطفرة وسائر الفروع الغامضة ، أن يلزمه ذلك كما يلزمه النظر في معرفة اللّه ، سبحانه ، لأن طريقة الجميع واحدة . ولأن / النظر في باب الدين لو وجب عند دعاء الداعي ، لكان قول ذلك الداعي حجة في وجوبه . وقد علمنا أن من يجوز الكذب عليه ، لا يكون هذا حاله . فإذا فارق النظر في باب الدين النظر في باب الدنيا في كل ما ذكرناه من الوجوه ، فكيف يقال :
انه بمنزلة في أنه واجب على ما ذكرتموه ؟ بل ينبغي أن يقال لأجل هذه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 363
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٦٣