وانما يحصل عنده غالب الظن ؛ ويجوز عند ورود الخوف من كون السبع في الطريق أن لا يكون له أصل ؛ ويجوز أن يتحمل المشقة في السؤال والنظر فيزيده ذلك سوءا ، إلى غير ذلك . فكيف يجوز فيما هذا حاله ، أن يجب عليه فعله ؟
قيل له : ان جميع ما أوردته اعتراض على العلم الضروري ، لأن العاقل متى دفع إلى سفر فقال / له من يحسن الظن بقوله في طريق قصده بعينه :
ان فيه سبعا فاحذر سلوكه ؛ بل يواتر عليه الخبر من يواتر ؛ فإنه يعلم باضطرار أن الواجب عليه الفحص والنظر والمسألة ، وأن لا يستمر على قصده . ومتى استمر والحال هذه عد مغرّرا بنفسه ، مقدما على القبيح ، مستحقا للذم . فإذا فحص وتأمل ونظر ، ثم أقدم ، عدّ حازما فاعلا لما وجب عليه . ولا يعتبر في هذا الباب بالعاقبة ، وكيف يكون حالها ، وانما يعتبر العقلاء في وجوب ذلك بما ذكرناه في الحال . فإذا صح وجوب النظر إذا كانت الصورة ما ذكرناه ، وثبت أن العلم بوجوبه ضروري على ما بيناه ، فكيف يصح الطعن بالشبه التي ذكرتها ، سيما وقد بينا أن العقلاء لا يحفلون بذلك في وجوب النظر ؟ لأنهم وان لم يعرفوا صدق المخبر وجوّزوا أن لا يكون لما خوف منه أصلا ، فإنهم يعرفون وجوب ذلك .
يبين ما قلناه ، أنه قد يكون الحال ما بينا ملجأ إلى الهرب ، لأنه لو شاهد شخصا يشبه السبع وقوى في ظنه شبهة ، لكان يصير ملجأ إلى الهرب وان لم يكن لما خافه أصل . فإذا صح ذلك في الالجاء ، فبأن يصح في باب الوجوب وان لم يكن المخوف منه ثانيا أولى . ولا فرق بين هذا الطعن ، وبين من قال : لا ينبغي أن يحسن بحمل الضرر لأجل المنافع الا أن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 360
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٦٠