فصل في أن الصفة التي ذكرناها يصح أن تحصل في النظر في باب الدين والدنيا .
اعلم ، أنا قد بينا أن الوجه الّذي له يجب الفعل هو أن يتحرز به عن مضرة مخوّفة . وقد بينا أنه لا يجب أن نقطع على المضرة ، وأنه لا فرق بين أن نعلمها أو نظنها ، بل الّذي يعرفه العقلاء بالعادات المضارّ المظنونة ، لأنهم يعلمون الأمور المستقبلة ؛ وانما نعلم بالتأمل أنه لو علم ذلك ، لكان الفعل بالايجاب أحق . فكذلك ما يجب أن يتحرز به ، لا يجب أن يقطع على أن التحرز يقع به لا محالة ، بل متى ظن ذلك حل محل / العلم بأنه يأمن به من المضرة ، ووجوبه في الحالين لا يختلف . وإذا تأملت ما يجب من النظر في اجترار منافع الدنيا ودفع مضارها ، علمت أن الحال على ما ذكرناه .
ولا بدّ من أن يكون الضرر الّذي يخافه بترك الفعل ، أكثر مما يلحقه من المضرة بنفس ذلك الفعل ، حتى يكون دافعا للضرر الكثير بالمشقة اليسيرة .
فأما لو تكافئا وتعادلا وعلم ذلك من حالهما ، لما وجب الفعل ولكان هذا الناظر مخيّرا والوجوب ساقطا . وانما يجب الفعل ، إذا كان حاله ما ذكرناه . ومتى عظم التفاوت فيما يزيله من المضرة لحقّ ثبات الالجاء ، وإذا تفاوت لحقّ ثبات الوجوب ، خصوصا متى كان الضرر مؤجلا غير معجل . فإذا أصبحت هذه الجملة ، وقد صح أنه لا يمتنع في النظر في باب الدنيا أن يصير بهذه الصفة ، فينبغي أن يكون واجبا ؛ وكذلك النظر في