عن أن يكون كامل العقل ، لأنه لا يمتنع فيمن يعد صبيا من جهة الشرع أن يكون كامل العقل ويلحقه التكليف . ومتى كان كذلك ، وخاف الخوف الّذي ذكرناه ، كان حكمه في الأفعال حكم العقلاء .
فان قال : أفيشتبه الحال فيما ذكرتموه ، أم لا ؟ فان قلتم : انه لا يشتبه أكد بكم ما عرفناه من أحوال العقلاء وأخلاقهم في وجوب النظر . وان قلتم : انه يشتبه . فكيف يعلم العاقل وان خاف مع الشبهة أن النظر واجب ؟ وكيف يكون مزاح العلة ، والشبهة قائمة ؟
قيل له : ان القدر الّذي يشتبه في هذا الباب هو القدر الّذي يشتبه في سائر العقليات . وذلك لأن / الواجب قد يشتبه المراد به ، وكذلك الحسن والقبيح . وربما ظن بعضهم أنه لا فرق بين الواجب وبين الأمر الّذي لا بدّ من أن يفعله من جهة الالجاء وغيره . فإذا ثبت أن هذا القدر من الاشتباه لا يخرج القبيح والواجب في العقل من أن يكون واجبا وقبيحا على العاقل ، فلا يعذر في فعل ذلك وتركه من جهة هذه الشبهة ؛ فكذلك القول فيما ذكرناه .
واعلم ، أن الشبه الداخلة في هذا الباب تنقسم إلى ضربين : أحدهما يلحق القلب ، واليقين ثابت فيما يدخل عليه ، فهذا لا يؤثر فيما يعرفه العاقل ؛ وذلك نحو أن يعلم وديعة بعينها ، ويعلم مطالبة صاحبها ، ثم يقول له قائل : ان مثل هذه الوديعة قد حصلت عندك من وجه آخر ، ليشككه في وجوب ردها ؛ فهذه شبهة داخلة على يقين تقدم ، فيجب أن لا يؤثر في هذا الباب . ومن الشبه ما من حقه أن يكون مشككا في الأصل ، فلا بد ، عند وروده ، من التوقف . وقد ثبت في عقول العقلاء استحقاق
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 354
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٥٤