فصل في ذكر الوجه الّذي له يجب النظر في معرفة اللّه ما هو
اعلم ، أن الوجه الّذي له يجب النظر على الناظر في باب الدين والدنيا لا يختلف ، وهو أن يحصل فيه خوف يخشاه بتركه ويرجو زواله بفعله .
وقد دلت الدلالة على أن التحرز من المضار واجب ، كانت معلومة أو مظنونة . كما ثبت بالدليل وجوب رد الوديعة ، على بعض الوجوه ، وشكر المنعم ، وهذا من كمال العقل . لأن أحدا من العقلاء لا يلتبس عليه حال ما يخشى فيه المضرة أنه يلزم التحرز منه بالطريق الّذي يؤمل به زواله ، كما لا يلتبس حال سائر الواجبات . وربما بلغ الحال في التحرز من المضرة إلى أن يصير اكد من الوجوب ، أن يبلغ حد الالجاء . لأن / ما يصير ملجأ إليه ، يصير آكد من الواجب ، وان فارقه في حكمه ؛ ولا تنتهى سائر الواجبات إلى هذا الحد . وذلك مما يبين لك أن هذا الوجه في الوجوب آكد من سائر الوجوه التي ذكرناها . فإذا صح ذلك ، وخاف الضرر إذا هو لم يفعل النظر من وجه صحيح من وجوه الخوف ، وأمّل زوال ذلك بفعل النظر ، فمن حقه أن يكون واجبا .
وليس لأحد أن يقول : ان التحرز من المضرة يتفق جميعه في أنه يكون ملجأ إليه ، فلا يجوز دخوله في جملة الواجبات . وذلك لأن الّذي يبلغ حد الالجاء معروف ، وما قصر دونه مما يكون واجبا معروف .
لأنه إذا شاهد السبع قد أقبل نحوه فهو ملجأ إلى الهرب . ولو أنه قيل