لوقوعها على وجوه تختص بها ، لولاها لم تكن بأن تختص بذلك الحكم أولى من أن لا تختص به أو تختص بخلافه . لأنه لو لم يحصل لها الا الوجود والحدوث ، وقد تساوت أجمع في ذلك ، / لم يكن بعضها بأن يكون واجبا أولى من سائرها . فإذا صح ذلك ثبت أنه لا بدّ من وجه وجوب يختص به الواجب ، على ما بيناه .
فان قيل : أوليس في الناس من يخالف في هذا ، ويقول : انما يكون واجبا بايجاب اللّه ، سبحانه ، فقط ، حتى قال كثير منهم : ان السمع هو المؤثر في ذلك دون غيره ؟ أو لستم تقولون بمثله في الشرعيات ، ولا تقضون بأن لها وجه وجوب ؟
قيل له : انا قد بينا فساد هذا القول في أول العدل ، وبينا بوجوه كثيرة أن القبيح والحسن والواجب لا يجوز أن يختص بذلك من جهة السمع ، وأن من لا يعرف السمع ولم يستدل على صحته ، ويعرف أحكام هذه الأفعال ولو لم يتقدم له العلم بها ، لم يكن ليصح أن يعرف السمعيات أصلا ، بل كان لا يصح أن يعرف النبوات . وقد شرحنا ذلك بما لا طائل في اعادته . فإذا ثبت ذلك ، بطل ما قاله .
وأما قولنا في الشرعيات ، فلا يختلف حاله وحال العقليات في أنها تختص بوجه وجوب . لكن ثبوت ذلك الوجه فيها لا نعلمه الا سمعا ، ونعلم وجوه وجوب العقليات من جهة العقل . فمن هذا الوجه يختلفان ، وان اتفقا في أنه لا بدّ من ثبوت وجه الوجوب فيهما ليكونا واجبين .
ولولا ذلك لم يكونا بالوجوب أولى من خلافه ، على ما بيناه . ومتى قلنا ، في الواجب : انه تعالى أوجبه ، فالمراد بذلك أنه عرف ايجابه ووجه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 350
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٥٠