وما ذكرناه من نصبه تعالى لنا الأدلة ، وبعثه الناس على النظر في آياته ، وذمه المعرض عنها ، ومدحه المتمسك ، وتبيينه الوجه في الأدلة الدالة على التوحيد والعدل والنبوات ، يدل على بطلان قولهم .
وقد قال لهم شيخنا أبو هاشم ، رحمه اللّه : أبالإلهام علمتم أنكم ملهمون ، أو بالنظر ؟ فان قالوا : علمناه بالنظر ؛ فقد اعترفوا به وتركوا قولهم . وان قالوا : بالهام ؛ ففيه وقعت المنازعة ، فكيف يصح أن يحتجوا به عليه ؟ ومن أنكر الالهام في بعض الحق ، ينكره في جميعه ، وهذا لا ينقلب علينا إذا قيل لنا : فبالنظر عرفتم صحة النظر أو بغيره ؟ فان عرفتموه بغيره ، / فقد تركتم طريقتكم ؛ وان عرفتموه بالنظر ، ففيه وقعت المنازعة . وذلك ، لأن المخالف لنا في صحة النظر لا يدفع اثبات النظر ، وانما يدفع ثبوت اعتقادات تسكن النفس إليها ، فيجعل وقوع الاعتقاد ، الّذي هذا صفته وقد اعترف به عند النظر الّذي قد أثبته دلالة على أن من حقه أن يولد المعرفة ، ويعرف بهذه الطريقة الواحدة صحة النظر أجمع ، لأنا لا نحتاج إلى طريق في كل مسألة يقع فيها الخلاف . وليس كذلك حال القوم فيما قالوا في الالهام ، لأن نفس الالهام قد أنكرناه في المعارف ، فإذا هم أثبتوه بالالهام فقد أثبتوا الشيء المنكر بمثله .
وبعد ، فانا نعلم من حال الكفار ومن حال المخالفين من أهل القبلة من المجبرة ، والمشبهة ، وغيرهم أنهم يعتقدون الباطل ؛ فكيف يمكن أن يقال : ان جميعهم قد ألهموا الحق ؟ وهل هذا الا ارتكاب مكابرة في الضروريات ؟
وبعد ، فقد فصلنا بين الاعتقاد الّذي يمكننا نفيه عن أنفسنا من هذه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 344
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٤٤