تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
الطريقة . ثم يقول : انما يعرف المكلّف ربه من جهة الرسل إذا ظهرت الآيات عليهم . وشرط في ذلك أن يكون قد تقدم له العلم بالفرق بين الحيل والمعجز ، ووقف على ما يصح من العباد الوصول إليه وما لا يصح ، وما يجوز في العادة وما لا يجوز . وربما لطف الأمر في ذلك فيزيد على ألطافه اثبات الأعراض ، فكيف أنكر ذلك وجوّز هذا والحال متقارب ؟ ولعله ظن أنا نوجب على كل مكلف أن يعرف من أحوال الأعراض ما يعرفه العالم المبرز حتى يكون عارفا باللّه ، تعالى ، وبرسله . وليس الأمر عنده كذلك لأن اليسير من ذلك يغنى . وقد بين أبو علي ، رحمه اللّه ، الحال في أهل / الخيال والحزائر والمهن ، فقال : انهم إذا كانوا كاملى العقول ، وقد عرفوا من العادات أيسرها ، علموا كيفية تغيّر الأحوال على الأجسام ، وعلموا كيفية تعلق الفعل بالفاعل ؛ فيمكنهم ، عند ذلك ، معرفة الأعراض واثبات فاعل مخالف لها ، لحدوث الأمور التي يتعذر مثلها علينا . على أن الكلام ينقلب عليه في هؤلاء القوم إذا قيل له : فكيف يعرفون الفرق بين المعجزة والحيل ، على ما فسرته وأوضحته ؟ فأي طريق سلك فيهم فهو طريقنا . وهذه جملة كافية في هذا الباب . وأما أصحاب الالهام الذين يقولون بأنه تعالى يبتدئ بخلق المعارف في القلوب ، وأن الحق لا يدرك الا بهذا الوجه ، وينفون النظر والاستدلال أيضا ، فقد بينا في أول الكتاب فساد قولهم . وما ذكرناه من أن النظر والمعرفة مقدوران لنا ، وأن المعرفة تتولد عن النظر ، يبطل ما ذهبوا إليه .