ليعظماها إذا هو فعلهما مع هذه المعرفة . كما أنه لا يستحق نفس العقاب ، الا بعد المعرفة باستحقاقها على المعصية . وليس خاف أن يستحق العظيم من العقوبة ، وان لم يعرف ذلك ، إذا هو / أقدم على المعصية ، ليجوزن أن يستحق نفس العقوبة ، وان لم يعلم أنها مستحقة على ما يفعله . لأن هناك انما يعظم ما يستحقه ، لأنه قد عرف بعقله طريق عظم المعصية ؛ فإذا هو ارتكبها ، والحال هذه ، استحق عقابا عظيما . فكذلك غير ممتنع أن يستحق أصل العقاب لمثل هذا الوجه ، وان لم يعرف أن المعصية تقتضى هذا العقاب لا محالة . فألزمه ، بهذا الوجه ، أن يعرف ، تعالى ، مقادير العقاب ، حتى يصح التكليف ؛ كما يجب أن يعرف نفس العقاب .
وألزمه ، رحمه اللّه ، فقال : إذا كنت تعلق التكليف بالمعرفة ، وتجعلها اضطرارا عند النظر طبعا ، وتجعل وقوعها لسائر المكلفين عند دعوة الأنبياء ، فيجب أن تثبت منهم ما لا نهاية لهم . فان قلت : لا بدّ من أول لهم ، عرف اللّه ، تعالى ، لا عند رسول ثان طبعا . قيل لك : فجوز ، في سائر المكلفين ، أن يعرفوا اللّه ، تعالى ، على هذا الوجه . فما الحاجة بك إلى أن تعلق المعرفة ، والنظر بدعوة الأنبياء ، وهذا الوجه يبين أن بعثة الأنبياء ، على قوله ، لا فائدة فيها ؟ وقد نبهتك ، بهذه الوجوه ، على طريقة الالتزام له في سائر ما يلزمه ، لأن الّذي ألزمه ، رحمه اللّه ، يكثر جدا ، ومسائله أيضا فكثيرة ، ولعلها تجرى فيما نتكلم به في الفصول التي نذكرها من بعد .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 332
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٣٢