تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦

الفصل العشرون من شبههم

قد بينا أن أبا عثمان الجاحظ ، رحمه اللّه ، ربما تعلق في دفع تكليف النظر والمعرفة بما نذهب إليه من الكلام في الطبع ، ويقول : انهما يقعان منه بطبعه ، فلا يجوز أن يكلف فعلهما . وقد بينا ، من قبل في أبواب تقدمت في ذكر الطبائع ، فساد هذا القول . وبينا أن الأفعال كلها لا تقع الا من جهة القادر وعلى طريقة الاختيار من العقلاء . وبينا فيما تقدم من هذه الفصول أن قوة الدواعي إلى الفعل لا تخرجه من أن يكون واقعا من فاعله ، لكونه قادرا عليه ، وان تدخل ذلك يجب تكليفه ويستحق عليه الحمد والذم . وكل ذلك ، يبطل ما تعلق به . على أن من قوله ، رحمه اللّه : ان الإرادة تقع من القادر لا بالطبع . وقد علمنا أن الدواعي إذا قويت في المراد ، / فلا بد من أن تقوى في الإرادة ، لأن الداعي إلى المراد هو الّذي يدعو إلى الإرادة ؛ فكيف يصح ، إذا أراد النظر ، أن تقع طباعا ، وارادته اختيارا ، مع أن الداعي إليهما واحد ؟ وهذه الجملة ، قد أتت على ما قدمناه من شبههم .

فصل آخر يتصل بذلك

وربما تعلق أبو عثمان وغيره بأنه قد تقرر في العقول أن المقدم ، على ما لا نعلمه ، لا لوم عليه ، وانما يلام العالم . ولذلك يجعل العقلاء فقد علم الفاعل عذرا له فيما فعله ، كما يجعلون فقد القدرة عذرا له فيما لا يفعله . فإذا صح ذلك ، لم يجز أن يكلف العبد أفعال الجوارح من الشرعيات وغيرها ، ولما تقدم له العلم باللّه ، تعالى ، وبرسوله والشرائع . قال : وقولكم يؤدى إلى أن من عصى فلم يفعل النظر والمعرفة ، ثم بقي