العقلاء يختارون الراحة والدعة على النظر والاستدلال ، اما ايثارا لها « 1 » واما لبعض الأغراض الفاسدة . وما حل هذا المحل ، لا يجوز أن يلحق بباب الالجاء ، لأن من حق الملجأ مع وجود سبب للالجاء أن لا يجوز أن يؤثر خلافه على وجه من الوجوه ، على ما بيناه في أبواب الالجاء من قبل .
فإذا ثبت ذلك ، لم يمتنع في العاقل أن يرد عليه الخاطر فيخوفه من ترك النظر والمعرفة ، فيلزمه عند ذلك فعلهما ، ويقبح منه تركهما ، على الوجه الّذي بيناه . ولا فرق بين من قال فيهما بما ذكره السائل ، وبين من قال في أفعال الجوارح : ان الانسان إذا خاف من ترك الصلاة العقاب ، وعلم أنه يستحق بها الثواب ، وأنه يطلب بها ذلك ، فيجب أن يكون ملجأ إلى فعلها . كما لا يجب ذلك في سائر أفعال الجوارح ، وان تكاملت الدواعي .
فكذلك القول في النظر والمعرفة .
فان قال : ان الدواعي انما تتردد متى ورد عليه خاطر يبعث على النظر ، / وآخر يبعث على خلافه ، فيتساويان ، ويحصل العاقل متردد الدواعي . فأما إذا ورد عليه الباعث منهما دون الصارف ، فالحال ما قلناه .
قيل له : ليس الأمر كما قلته ، لأنه وان لم يرد عليه الصارف ، فلا بد من أن يكون عالما بسائر الاستراحة والعدول عن الكدّ والكلفة ، فيكون ذلك في حكم الداعي إلى ترك النظر ، إلى غير ذلك مما يفعل لأجله الأفعال .
فيحصل متردد الدواعي ، وان كان عند ورود الخاطرين يكون الأمر في ذلك أظهر وأكشف . وهذا مما يتقصّى في أبواب الخاطر من بعد .
هامش
( 1 ) لها : في النص « له » .