السهو بالفعل . لأنه لا يجوز منه ، تعالى ، أن يكلفه ايجاد فعل هو ساه عنه . لأنه إذا كان كذلك ، لم يمكنه أن يفعله أو يتحرز من تركه على الوجه الّذي ينبغي أن يفعل الواجب عليه . فيصير حاله مع هذا الفعل خاصة ، كحال من لا عقل له في سائر الأفعال ؛ بل لا بدّ من ذلك ، لأن من لا عقل له قد يعرف الأفعال ويميزها من غيره ، والساهي لا يصح ذلك فيه في نفس ما ينهى عنه . وليس كذلك حال المعرفة الواقعة عن النظر ، لأنه إذا عرف سببها وتصورها ، خرج من أن يكون حكمه معها حكم الساهي مع الفعل الّذي سها عنه . فلذلك حسن منه ، تعالى ، أن يكلفه المعرفة من حيث يمكنه أن يوجدها بايجاد سببها ، ويتحرز من تركها ، وذلك يتعذر في الساهي عن الفعل .
فان قيل : أفتقولون : ان من سها في صلاته وصومه ، فقد خرج من أن يكون مكلفا على ما ذكرتم ، وكيف الحال في ذلك ؟
قيل له : ان غرض الفقهاء بقولهم : سها في الصلاة ، ليس أنه خرج من أن يعلم الصلاة وأركانها وشروطها ، وانما يعنون بذلك أنه ظن أنه ليس في الصلاة ، وزال عن قلبه العلم بأنه داخل في الصلاة ، / فأخذ يفعل أفعال غير المصلى . وكذلك من سها في الصوم وأكل ، انما يريدون به أنه زال عن قلبه العلم بأنه داخل في الصوم ، فظن أنه ليس بصائم يفعل ما يفعله المفطر .
وهذا السهو لا يزيل عنه التكليف في سائر الوجوه ، لأنه يفارق حاله حال السهو الحادث بالنوم والغشى والسكر ، لأنه ينبئ عن زوال العلم بشيء مخصوص . وإذا ثبت ذلك ، لم يكلف في تلك الحال الاستمرار على فعل الصوم والصلاة ، إذا زال عن قلبه بدخوله فيهما على وجه لا يمكنه ازالته
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 299
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٩٩