تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
فان قيل : إذا لم يعرف استحقاق العقاب ، فكيف يخاف من ترك النظر ؟ وعندكم أنه انما يجب للخوف من تركه ؟ قيل له : قد بينا أن الخوف قد يحصل مع العلم بالمضرة ومع الظن بها ، وأنه في الوجهين جميعا يلزمه التحرز ، فان ذلك يجرى مجرى كمال العقل . لأن العلم بأنه / يلزمه التحرز من المضار المظنونة ، كالعلم بوجوب التحرز من المضار المعلومة . وقد بينا أن الأكثر فيما نعلم وجوب التحرز منه ، يجرى على طريقة الظن . لأن أحدنا لا يعلم أن الأمور المستقبلة تقع لا محالة . فإذا صح ذلك ، ثم ورد الخاطر على المكلف بالتخويف من ترك النظر على ما يريبه ، وحصل خائفا منه ، لزمه النظر . وان لم يعلم في الحقيقة بالعقاب ، فقد حصل هناك ما ينوب مناب العلم بالعقاب في ايجاب الخوف من ترك النظر ، ويلزمه التحرز من تركه بفعله . فان قال : أليس تلزمه الواجبات أن يؤديها على وجه يتقى بها العقاب ، فيكون متقيا بفعلها ؟ ولذلك قال اللّه ، سبحانه :
« إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ »
« 1 » . فكيف يصح ، وهو لا يعرف العقاب ، أن يفعل النظر على وجه يقبل أو يستحق به الثواب ؟ قيل له : ان المتقى قد يتقى الضرر ، وان لم يعلمه إذا ظنه ؛ بل يتقيه ، وان لم يكن هناك ظن ولا علم . لأن وقوع التحرز بالفعل من المضرة لا يرجع إلى القصد . فلا يمتنع كونه متقيا ، وان كان بما ذكرناه غير عالم ؛ كما لا يمتنع كونه مطيعا بالفعل ، وان لم يعرف إرادة المطاع .
هامش
( 1 ) من الآية 27 المائدة .