بذلك ، فيقول : انما أتقرب أليك بهذا الفعل ، إذا طلب به ضربا من الرفعة لديه . وربما قال بدلا من ذلك : أتقرب من قلبك . فعلى هذا الوجه استعملوا هذه اللفظة . فإذا صح ذلك ، وقد بينا في الفصل المتقدم أن المكلف للنظر والمعرفة ابتداء لا يصح أن يعرف الثواب وان استحقه على النظر وسائر الطاعات ، فيجب أن لا يصح منه أن يطلب بالنظر الثواب . فإذا كان هذا هو طلب القرب من اللّه ، تعالى ، وهو الّذي يفيده التقرب ، فيجب أن لا يصح منه أن يطلب بالنظر / الثواب . فإذا كان هذا هو طلب القرب من اللّه ، تعالى ، وهو أن يتقرب ، وهذا مما يصح ولا يحسن على ما بيناه من قبل . لأن حسن التقرب بالفعل متعلق بشروط منها أن يكون عارفا باللّه ، تعالى ، ومنها أن يعرف استحقاق منزلة الثواب على الفعل الّذي يتقرب به .
ولذلك لا يحسن من أحدنا أن يتقرب إلى اللّه ، تعالى ، بفعل المباحات لما لم يستحق بهما الثواب .
ولذلك قال شيخنا أبو علي ، رحمه اللّه : ان التقرب بفعل الصلاة وغيرها إلى اللّه ، تعالى ، من العاشق لا يحسن وان صح . وذلك أنه مع فسقه لا يستحق الثواب على الصلاة ، لأنها تقع محيطة بفسقه ، فيكون طالبا للثواب على وجه يقبح عليه . فذلك وان صح منه ، فهو غير حسن ، الا أن يفعلها مع التوبة فيحسن منه التقرب بها . فإذا كان المصلى مع معرفته باللّه ، تعالى وبالثواب ، لا يحسن منه ذلك ، فبأن لا يحسن ممن لا يعرف كلا الأمرين أولى .
فأما العبادة للّه ، تعالى بالفعل فإنه يحسن إذا عرفه وعرف أنه المنعم بكمال النعم ، فيعلم حسن عبادته . فيصح إذ ذاك أن يعبد بالفعل ويحسن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 289
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٨٩