قيل له : ان هذا غير مسلم . لأنه لو علم أن لا ثواب ، وعلم الوجه الّذي له تجب الواجبات عليه ، لكانت واجبة . وانما كان يقدح ذلك في حكمة المكلّف والموجب ، لا في وجوب الفعل . يبين هذا ، أن الفعل قد يجب على اللّه ، تعالى ، وان استحال عليه الثواب من حيث تستحيل عليه المنافع والمضار لما كان وجوبه من غير ايجاب موجب . وذلك يدل على أن فقد الثواب لا يقدح في وجوب الفعل ، لو علم ذلك ؛ فكيف وذلك غير معلوم ؟ لأن من يلزمه النظر والمعرفة ، وان لم يعلم الثواب والعقاب ، فإنه يقوى في ظنه أن أحدهما يستحق بالطاعة كاستحقاق المدح بها ، والآخر يستحق بالمعصية كاستحقاق الذم بها ، إذا ورد عليه الخاطر والداعي .
فلا يجوز أن يلزمه / النظر ، الا وحاله هذه . ولو علم أن الثواب لا يستحقه على الطاعات ، ولا العقاب على المعاصي ، يخرج من أن يلزمه النظر والمعرفة من حيث كان وجه لزومها له الظن الّذي ذكرناه . لأن عنده يحصل الخوف الّذي معه يلزمان ، لا لأن العلم بفقد الثواب أثر في وجوب الواجبات .
لأنه لو كان بدلا من هذا الواجب برد الوديعة والانصاف لم يسقط وجوبهما بذلك ، لما لم يكن وجه وجوبهما ما يؤثر هذا العلم فيه ، فإنما يخرج النظر لو لم تثبت هذه المعرفة من أن تكون واجبا ، لأنه يقدح في وجه وجوبه ، وهو الظن والخوف الّذي ذكرناه .
فان قيل : أليس ، في الشاهد إذا فعل المستأجر الشاق لا لبدل ، قبح منه ، وانما يحسن ذلك منه للعوض والبدل ؛ فهلا قلتم بمثله في الطاعة ؟
قيل له : ان العوض في الفعل الشاق ، في الشاهد ، هو الّذي يخرجه عن كونه ظلما ، ولو خرج عن كونه كذلك لغير بدل لحسن . ولهذا قد يحسن إذا كان له فيه سرور ، وان لم يكن هناك بدل ، متى فعل ذلك لنفسه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 286
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٨٦