قيل له : انه يعلم في الجملة أن الأمر ، ان كان على ما ألقاه الخاطر ، فلا بد من أن يكون لطفا ؛ لأنه قد علم بعقله أن علمه بأن له في الفعل منفعة يدعوه إلى فعله ، وعلمه بأن عليه في الفعل مضرة يدعوه إلى أن لا يفعله . فمتى عرف اللّه ، سبحانه ، وعلم أنه يستحق من جهته الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية ، كان إلى فعل الطاعة ومجانبة المعصية أقرب منه إذا لم يعرف ذلك . فقد تقرر في عقله في الجملة من حال المنافع والمضار التي يحذرها ، ما ذكرناه ، وتعلّم في الجملة لما ألقاه الخاطر أمارة ، فتعلّم أن الأمر ان كان على ما ألقاه ، فهذه المعارف هي ألطاف ومصالح .
ويقوم علمه بذلك ، على سبيل الجملة ، مقام علمه بها على التفصيل في الوجه الّذي يقتضي وجوب الفعل .
فأما معرفته بأن هذه المعارف ألطاف على جهة التفصيل ، فلا تصح الا وقد عرفها . لأن العلم ، بكونها ألطافا ، فرع على العلم بها . لكن ذلك لما لم يحتج إليه في التكليف ، وصح لزوم النظر له في معرفة اللّه ، تعالى ، وان كان غير عارف به ، وغير عارف من أحوال هذه المعارف ما ذكرناه .
فان قيل : فأنتم تقولون في الشرعيات : / انه لو اعتقد فيها أنها ليست بمصالح أنه لا يجوز أن يعلم وجوبها ، فكيف يصح من العاقل أن يعلم وجوب النظر والمعرفة مع تجويزه فيهما أنهما ليسا لمصلحة ؟
قيل له : انما نقول بما ذكرته إذا اعتقد العاقل ، بعد ثبوت وجوب الشرعيات ، أنها ليست بمصالح . فأما إذا كان مجوّزا فيها كونها كذلك قبل ثبوت وجوبها ، فذلك غير مانع من أن يعلم وجوبها بأن يستدل فيعلم أن الحكيم لم يكن ليوجب ما ليس له صفة الوجوب . فإذا لم يكن لها
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 283
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٨٣