فمتى « 1 » وجب عليه ، لا بدّ من أن يقبح منه تركها بالجهل . / وقد علمنا أن ، قبل وقوع الجهل منه ، لا يعلم الجهل جهلا ؛ وإذا لم يعلم ذلك ، لم يصح أن يتحرى تركه . وإذا لم يجز لأجل هذا أن يكلف ترك المعرفة ، لم يجز أيضا أن يكلف المعرفة . وإذا صح ذلك ، لم يكلف النظر ، لأن الغرض بايجابه ايجاب المعرفة .
واعلم ، أن الصحيح فيمن لزمته المعرفة أن يقبح منه الجهل ؛ وكما يستحق بفعلها الثواب ، فكذا يستحق بفعل الجهل العقاب ؛ وكما يتناولها التكليف في باب الاقدام ، فكذا يتناوله التكليف في باب الامتناع منه . وان كان المكلف مأمورا بها ، فهو منهى عن الجهل . والأمر في هذا الباب أجمع ، على ما ذكره السائل . لكنه ظن أنه إذا لم يمكنه أن يعرف الجهل جهلا قبل وقوعه ، لم يصح أن يلزمه تركه بفعل المعرفة . وليس الأمر كما قدر ، لأنه إذا عرف طريق المعرفة وهو النظر المخصوص الّذي من بيانه أن يولدها ، صح منه ايجادها بايجاده . وايجادها على هذا الوجه ، هو ترك للجهل ، لأن من حقه أن يضادها ، وترك الشيء هو ضده على بعض الوجوه . فقد ثبت اذن أنه يصح منه أن يترك الجهل بالمعرفة .
فان قيل : فيجب أن يصح منه ترك المعرفة بالجهل أيضا ، ليصح أن يكلف المعرفة .
قيل له : وذلك أيضا صحيح منه ، لأنه يصح منه أن يبتدئ فعل الاعتقاد والّذي هو جهل ، فيكون بفعله تاركا للاعتقاد الّذي هو من جنس المعرفة . ولا يقال : انه ترك به المعرفة ، لأن من حقها أن تقع متولدة . /
هامش
( 1 ) فمتى : في الأصل « ومتى » .