الفصل الحادي عشر من شبههم
قالوا : إذا كانت المعرفة لو وجبت لوجبت من حيث كانت لطفا ، ولا بدّ في المكلف من أن يعرف وجه وجوبها ، ولا سبيل له إلى العلم بذلك الا وقد عرف اللّه ، تعالى ، فيجب أن لا يصح أن تلزمه المعرفة . وفي ذلك اسقاط وجوب النظر أيضا .
واعلم ، أن الوجه الّذي له يجب ربما قام الظن فيه مقام العلم ، وربما كان بخلافه . وكذلك الوجه الّذي له يقبح القبح . يبين ذلك أنه لا فرق بين أن يعلم العاقل أنه يتحرز ببعض الأفعال من مضار معلومة ، وبين أن يظنها ويظن أنه يتحرز منها لهذا الفعل في أن في الوجهين جميعا يلزمه التحرز بذلك الفعل ، فقام الظن فيه مقام العلم . وأكثر ما يتحرز العاقل منه ، يجرى على طريقة الظن . وهذا في بابه بمنزلة ما نقوله ، في الألم : انه لا فرق بين أن يحسن لظن النفع الّذي يوفى عليه أن للعلم بذلك من حاله . وكل ذلك أصول في العقل ، لا يحتاج فيه إلى دليل .
فإذا صح ما ذكرناه ، لم يمتنع أن يعلم العاقل أن النظر في معرفة اللّه يكون أقرب إلى زوال ما يحذره إذا أورد عليه الخاطر والداعي على ما يريبه فيما بعد . فيعلم عند ذلك وجوبهما ، فلا يحصل عالما بوجوب شيء لم يعلم وجه وجوبه ، بل يكون قد عرف وجه وجوبه وعلم وجوبه . / وفي ذلك اسقاط ما سأل عنه ، لأنه ظن أنا نجيب إلى أنه قد علم وجوب النظر ، وان لم يعلم وجه وجوبه . والحال بخلاف ما ظنه على ما بيناه .
فان قيل : أفيجوز أن يعلم ، في النظر والمعرفة كونهما لطفا في الحقيقة ، وحاله هذه ؛ أم لا يعلم ذلك من حالهما ، الا وقد عرف اللّه ، تعالى ؟