تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
والمباشر لا يكون تركا للمتولد ، من حيث يجب وجوده بوجود سببه . ومن حق الترك والمتروك أن يصح من القادر ، في كل واحد منهما ، أن يبتدئه وأن يبتدئ ضده . لكنا وان لم نطلق هذا القول ، فمن جهة المعنى لا نمتنع من أن نقول بأنه قد ترك بها الجهل ما يضاده من المعرفة . فان قال : فكيف يجوز أن يترك المعرفة بالجهل وهو لا يعرفه ، أم كيف يجوز أن ينهى عنه من غير أن يعرف وجه قبحه ، وهو انما قبح لكونه جهلا ؟ قيل له : متى قبح ذلك لوجهين ، لم يمتنع أن يكون العلم بأحدهما يقوم مقام العلم بالآخر فيما معه يصح أن يتحرز منه . وقد بينا ، أن الجهل كما يقبح منه كونه جهلا ، فقد يقبح لكونه اعتقادا للشئ على وجه لا تسكن النفس إليه . وهو وان لم يعلم من حاله قبل فعله له أنه جهل ، فهو يعلم من حاله فيما يبتدئه من الاعتقادات أنه لا تسكن النفس إليها ، فيعلم بذلك أن اقدامه عليها يقبح . وإذا دخل الجهل في هذه الصفة ، أمكنه التحرز من فعله ؛ كما يمكنه الاقدام على المعرفة بفعل النظر ، من حيث قد علم في الجملة أن ما يحصل عن النظر يقتضي سكون النفس ، على ما قدمنا القول فيه . وقد بينا ، من قبل ، أنه وان لم يعلم الجهل جهلا قبل أن يفعله ، فهو عالم في الجملة أن النظر لا يجوز أن يجب عليه وهو يؤدى إلى الجهل . فيعلم أنه لا يؤدى إليه ، وأنه ان أوجب شيئا من الاعتقادات فلا يوجب الا المعرفة . وهذا وان علمه في الجملة ، فإنه يحل فيما يأتي ويذر مما كلف محل أن يعرف حال المعرفة والجهل على طريق التفصيل . وكل ذلك يسقط هذه الشبهة . وقد / نقضنا القول فيها من قبل . وبينا ما يغنى . فلا وجه لإعادته .