وقد بينا ، أن الحال في وجوب النظر والمعرفة ، بخلاف الحال في الشرعيات التي طريق معرفتها الأمر . لأنها لا يجوز أن تعرف الا عند معرفة الأمور ، وبعد تقدم العلم باللّه وحكمته . وليس كذلك ما يعلم بالعقل وجوبه .
وقد بينا ، أن النظر والمعرفة في هذا الباب بمنزلة رد الوديعة ، والانصاف في أن معرفة / وجوبهما لا تتعلق بالسمع البتة .
فان قيل : فهل يصح أن يعرف من يلزمه النظر والمعرفة ابتداء الأمر والإرادة ، أم لا يصح ذلك ؟
قيل له : انه لا يصح أن نعلم أن اللّه ، تعالى ، قد أرادها منه ، الا بعد تقدم معرفته . لأن العلم بذلك فرع على العلم بذاته . ولا بدّ من أن تتقدم له المعرفة بأنه حكيم لا يفعل القبيح ، لتعلم أنه لم يكن ليجعله على الصفة التي يكون مكلفا معها الا وغرضه التكليف ، ونعلم أنه لا يجوز ذلك الا بأن يريد منه فعل ما كلفه على وجه مخصوص . ومتى لم تتقدم له المعرفة بهذه الأمور ، لا يصح أن يعرف كونه مريدا للنظر والمعرفة ، ولا كونه مكلفا .
فأما الأمر ، فإنما يعلم بعد ما ذكرناه بأن يسمع الأمر ، ويعلم أنه من قبله تعالى . فيعلم بذلك أنه قد أمر بهما وبغيرهما .
فان قال : أفتقولون : ان من يلزمه النظر والمعرفة لا بدّ من أن تراد منه ، ويؤمن بهما ، أم قد يجوز خلافه ؟
قيل له : لا بدّ من أن يكون ، تعالى ، قد أرادهما منه ، لأن ذلك مما يقتضيه كونه مكلفا ، على ما تقدم ذكره في بابه . فأما كونه ، تعالى ، آمرا بهما ، فمما لا يجب بالعقل ، ويجب كونه موقوفا على السمع . فان علم
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 276
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٧٦