صح ذلك ، بطل ما سأل عنه من أنه لا يفصل بين النظرين ، لأنا قد بينا أنه يفصل بينهما على الجملة ، ويعلم أن من حق النظر الّذي علم حسنه ووجوبه أن لا يولد الجهل وأنه ان ولد شيئا فهو المعرفة ، ويعلم أنه أقرب إلى أن يعرف اذن فعل هذا النظر منه إذا لم يفعله . فإذا وجب على الانسان التحرز من المضار في العقل بالأمور التي لا يعلم أنها توجب التحرز من المضرة ، من حيث نظر فيه أنه بأن يقع به التحرز أقرب ، فغير ممتنع وجوب النظر عليه إذا كان حاله عنده ما ذكرناه .
الفصل الخامس من شبههم
/ قالوا : إذا لم يعرف المكلف وجوب النظر والمعرفة ، فلا يصح لزومهما له لأمرين : أحدهما ، أن العلم بحسن الشيء ووجوبه يتبع العلم بعينه ، وهو لا يعرفها ؛ والثاني ، أن تجويزه أن يخترم قبل أن يفعلهما ، يمنع من أن يعلم وجوبهما وحسنهما ، وهذا يوجب خروجهما من أن يلزمه فعلهما .
واعلم ، أن الّذي بيناه من قبل من أنه يعرف عين النظر ، وأنه ليس بواجب أن يعرف عين المعرفة المتولدة عن النظر ، وانه ان لم يعرفها فهو بمنزلة العارف لما يلزمه في أنه يمكنه أن يفعلها بفعل النظر ، يسقط ما أورده أولا . لأنه ظن أنا نقول : ان النظر يحسن ويجب وان لم يعرفه المكلف بعينه ؛ وليس الأمر كذلك ، على ما بيناه . فأما المعرفة الواجبة عن النظر ، فقد بينا أنه وان لم يعرفها فقد يجوز أن يلزمه في ذلك اسقاط ما قاله أولا . فأما الّذي ذكر ثانيا من أن تجويزه للاخترام قبل الفعل يسقط وجوبه ، فان قدح في وجوب المعرفة فهو قادح في وجوب سائر الواجبات عليه من