فأما إذا نظر الناظر فيه على وجه واحد ، فهو متفق في الجنس ، ويقوم بعضه مقام بعض فيما يوجبه ويولده .
فان قيل : إذا لم يعرف عين ما يفعله من النظر في هذا الدليل ، فكيف يصح أن يكلفه ويكلف ما المعرفة ؟
قيل له : لا معتبر بالعين في هذا الباب ، لأن الغرض بفعله النظر أن يصل به إلى المعرفة ، وهو يصل إليها بأي جزء من النظر فعله من هذا الجنس ؛ ففقد معرفته بالأعيان ، مع حصول معرفته بهذا الخبر ، لا يؤثر .
الفصل الثالث من شبههم
قد حكينا عنهم أن النظر إذا انقسم ، ففيه ما يولد المعرفة / وفيه ما لا يولد ، كالنظر في أمور الدنيا . فكيف يصح منه تعالى أن يوجب النظر في أمور الدنيا ، لكي يصل به إلى المعرفة ، مع حصول هذا الاشتباه بين النظرين ؟
واعلم ، أنا قد بينا في أبواب النظر ، من قبل ، أن الّذي يولد منه المعارف هو النظر في الدليل ، لتعلقه بالمدلول . وبينا أن المستدل يجب كونه عالما بالدليل ، على الوجه الّذي يدل ، حتى يولد نظره في المعرفة .
وبينا أن ما خرج من النظر عن هذه الصفة ، لا يولد البتة . فالفصل بين ما يولد منه وما لا يولد ، معلوم على الوجه الّذي ذكرناه ، فلا يجوز أن يشتبه ذلك على العالم . فأما اشتباهه على الجاهل ، فغير مؤثر في هذا الباب .
فان قيل : أفتقولون ان المكلف للنظر والمعرفة في الابتداء يعلم هذه التفرقة بين هذين النظرين ، أم لا ؟ فان قلتم : يعلم ذلك . لزمكم أن يكون