الفصل الرابع من شبههم
قد حكينا عنهم أنهم يقولون : إذا كان في النظر ما يوجب الجهل ، كما أن فيه ما يوجب العلم ، ولا يفصل المكلف بينهما . فكيف يصح وجوب أحدهما عليه ، مع قيام الاشتباه ؟
والجواب عن ذلك ، أنا قد بينا من قبل أنه ليس في النظر ما يوجب الجهل ، وأنه قد يختار عنده الجهل وقد يكون داعيا إليه عند المكلف ؛ فأما أن يولده في الحقيقة ، / فمحال . وقد كشفنا ذلك بما يغنى ، وبينا أنه اما أن يولد المعرفة أو لا يولد شيئا البتة ، وأوضحنا القول فيه ؛ وذلك يسقط ما أورده الآن .
فان قال : لم أذهب فيما أوردته من السؤال هذا المذهب ، وانما قلت :
إذا كان المكلف في الابتداء يجوّز ذلك ، لأن علمه بما ذكرتم لم يتقدم ؛ فكيف يصح منه تعالى أن يوجب عليه المعرفة ؟
قيل له : ان المكلف وان جوّز ذلك ، فلن يخرج عن أن يكون عالما بعين النظر الّذي من شأنه أن يوجب العلم . فإذا تقرر في عقله وجوبه عليه ، صح منه أن يؤديه ، وأن يفعل المعرفة بايجاده ؛ وإذا صح منه ذلك مع هذا التجويز كصحته مع فقده ، فأي تأثير لهذا التجويز اذن في صحة تكليفه ، حتى جعلتموه شبهة ؟
وبعد ، فإنه يعلم في الجملة أن ما يؤدى إلى الجهل لا يكون الا قبيحا ، من حيث ثبت في عقله قبح الجهل ، وثبت أيضا في عقله أن ما أدى إلى القبيح قبيح . فإذا علم ذلك لم يجوّز في النظر ، الّذي علم بالعقل حسنه ووجوبه ، أن يكون موجبا للجهل ، لأنه يتناقض أن يعتقد فيه ذلك . وإذا