قد عرف من قبل أن في النظر ما يولد المعارف ، وفيها ما لا يولد ، ويفصل بينهما بالوجه الّذي قدمتم ، وهذا مما لا شبهة في أن المكلف قد لا يعرفه .
فان قلتم : انه لا يفرق بينهما . فقد وجب ما سأله السائل من أنه قد كلف أمرا لا يصح أن يميزه من غيره .
قيل له : ان المكلف لا يجب أن يفرق بين النظرين في هذا الوجه ، وانما يجب أن يعلم الدليل ويعرف النظر الّذي يتعلق به فقط ، لأنه إذا عرف ذلك وعلم وجوبه عليه أمكنه أن يوجده ، فإن كان مولدا للمعرفة صار موجدا للمعرفة بايجاده ، فهذا القدر هو الّذي ينبغي أن / يعرفه . فأما أنه يوجب ويولد ، فإنما يعرف ذلك بعد أن ينظر فتحصل له المعارف على طريقة مخصوصة ، فيعلم أنها طريقة التوليد . وقد بينا جميع ذلك من قبل .
ومتى قال السائل : إذا كان النظر في أمور الدنيا لا يولد المعارف ؟
أو قال : إذا كان النظر في أمور الدين ما لا يولد العلم ؛ فقولوا ، في جميعه ، مثل هذا ، وهذا يوجب عليكم أن لا يحسن دخوله في التكليف ، فالجواب عن ذلك قد سلف في أبواب النظر ، لأنا قد دللنا على أنه يولد المعرفة ، ودللنا أن جميعه لا يولد ، وعلى الفصل بين القبيل الّذي يولد وبين ما لا يولد ؛ فإذا ثبت ذلك ، زال القدح بما أورده الآن .
يبين ما قلناه ، أنه قد يجب على المرء عند الحاجة إلى نفع ودفع ضرر عن نفسه ومن يمسه أمره ، أن يلتمسه بالأمر الّذي يميز من غيره ويظن أنه الأقرب إلى حصول بغيته وطلبه ، وان لم يعلم حصوله عنه . فلذلك قد يجب النظر إذا غلب على قلبه أنه الأقرب في وصوله إلى المعرفة ، وان لم يقطع على ذلك في الحال .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 268
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٦٨