قد يكون بالخاطر وقد يكون بالداعي والمنبه ، وقد يكون بأن يتفكر من ذي قبل فيعرف أحوال نفسه وينظر في أحوال الفعل وتعلقه بالفاعل . فلا بد في حكم المكلف من أن يعرف النظر والأدلة ، ويميز بعضها من بعض بأحد الوجوه التي قدمناها .
وقد اختلف شيخانا أبو علي وأبو هاشم ، رحمهما اللّه ، بعد اتفاقهما على ما قلناه في المعرفة بالأدلة التي ننظر فيها ؛ هل تحصل من غير التنبيه والاخطار ، أم لا ؟ فمن قول أبى على ، رحمه اللّه : انه لا بدّ من أن ينبهه الخاطر على دليل دليل ، وبمنزلة بعضه من بعض ، أو الدواعي . وعند أبي هاشم ، رحمه اللّه : / أنه قد يستغنى بكمال عقله ومعرفته بالعادات عن ذلك ، من حيث علم أن طريق المعرفة بالفاعل فعله إذا لم يدرك ، وأنه لا يجوز أن يتوصل إلى معرفة النحو بالنظر في الطب .
والصحيح عندنا ، ما قاله أبو علي ، رحمه اللّه ؛ وان لم يمتنع ، فيما يظهر من الأدلة ، ما قاله أبو هاشم ، رحمه اللّه . لكن ذلك لا يستمر ، فان في الأدلة ما يغمض ولا تنجلى مفارقته لغيره ؛ حتى أن العالم المتّزن ربما يشتبه عليه بعض الأدلة ببعض ؛ والكلام في ذلك ذكر من بعد ، في أبواب الخاطر ، ان شاء اللّه .
فان قيل : انما يجب ، على ما ذكرتم ، أن نعرف الدليل بعينه ، فأما النظر فكيف نعرفه بعينه ؟ وقد يجوز أن يختلف جنس النظر ، وان كان المنظور فيه واحدا .
قيل له : يجوز أن يختلف جنس النظر إذا تعلق بالدليل على وجهين ؛
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 266
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٦٦