فان قيل : أرأيتم لو لم يعرف المكلف السبب بعينه ، كما لا يعرف المعرفة ، أكنتم تقولون : ان تكليفه يقبح ؟
قيل له : نعم ، لأنه إذا لم يعرف سبب المعرفة بعينه ، لم يكن له إلى ايجاده على الوجه الّذي يقتضيه التكليف سبيل ، وانما توجد المعرفة بايجاده فلا يكون له إلى فعلهما معا سبيل ، فيقبح منه تعالى أن يكلفه .
وانما وجب ذلك / في النظر الّذي هو سبب المعرفة ، لأنه يبتدئه ولا يجب وجوده بوجود غيره . وكل فعل كلفه العبد على جهة الابتداء فلا بد من أن يميزه من غيره ، أو يصح ذلك فيه ليتمكن من ايجاده على الحد الّذي كلف . فأما المعرفة ، فإنما يوجدها بايجاد النظر ؛ فبان معرفته بالنظر عن معرفته بها ، على ما بيناه .
فان قيل : ومن أين أن النظر مما يصح من القادر منا أن يبتدئه على الوجوه الّذي يبتدئ عليها الأفعال المباشرة ؟
( قيل له ) : « 1 » فهو كالحركات وما شاكلها في هذا الباب .
فان قيل : فيجب على هذا أن تحكموا في المكلفين أجمع أنهم قبل معرفة اللّه قد عرفوا النظر الّذي يولد المعارف على التفصيل ، وميزوا بعضها من بعض ، وذلك مما ان ادعيتموه علم من حالهم خلافه .
قيل له : ان من علم من حاله خلاف ذلك ، لم يجز أن يكلف المعارف ، وانما يكلف ذلك من يعرف النظر على الوجه الّذي بيناه . والمعرفة بأحوال أعيان المكلفين في هذا الباب مما لا يمكن ضبطه ، ولا ادعاء طريقة منه .
والّذي نقوله : انه لا بدّ في المكلف من أن يعرف ذلك ، وطريق تعريفه
هامش
( 1 ) قيل له : ساقطة من الأصل .