الفصل الثاني من شبههم
قالوا : إذا لم يعرف المعرفة ، فكيف يجوز أن يعلم سببها ؟ ومن لم يعلم السبب والمسبب ، لا يصح وجوب ذلك عليه .
وقد بينا من قبل أنه لا بدّ من أن يعلم سبب المعرفة ويميزه من غيره ، على وجه لا يلتبس عليه ، فيلزمه ايجاده وايجاد المعرفة بايجاده . وبينا أن ذلك في أن / معه يمكن الفعل بمنزلة أن يعرف السبب والمسبب جميعا .
فان قيل : وكيف يعرف المكلف سبب المعرفة بعينها ، ومن حق العلم بذلك أن لا يثبت الا مع العلم بأن النظر يوجب العلم ويوجب علما مخصوصا ، ولا سبيل إلى ذلك الا بعد تقديم العلم بنفس المعرفة .
قيل له : ليس الأمر كما قدرته ، لأنه قد يعلم السبب وان لم يعلمه سببا ، لأن العلم بأنه سبب غير العلم بذاته وسائر صفاته . وهذا بمنزلة ما نقوله من أنه قد يعرف الدلالة وصفاتها ، وان لم يعلم أنها دلالة ؛ لأن العلم بأنها دلالة ، يقتضي العلم بأن المدلول على ما دلت عليه . فكذلك العلم بأن السبب سبب يقتضي أنه يولد ويوجب ، والعلم بذاته ووجوده ومفارقته لغيره لا يقتضي ذلك . فلا يمتنع أن يعرف المكلف النظر في أنه مخصوص ، ويميزه عن غيره ، وان لم يعلم فيه أنه سبب ، وفي المنظور في أنه دليل ، الا بعد اختياره . وقد بينا أنه لا يمتنع أن يعلم في النظر أنه يولد في الجملة ، والّذي يمنع منه أنه يولد علما مخصوصا ، لأن تقدم علمه بذلك يغنى عن النظر ويمنع منه . فان أراد المريد هذا القول ، فقد أجبنا إليه ؛ وان أراد أنه يجب أن يعلم عين المعرفة المتولدة ، فقد ثبت أن فقد العلم بها لا يمنع من صحة ايجاده للنظر .