تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
من الأدلة على بطلان الضرورة ، ما يكفى . وبطل بذلك قول أبى عثمان الجاحظ ، رحمه اللّه ، في أن المعارف تقع بالطبع ، لأنه انما يقول على هذا الوجه ونظائره ؛ وقد بينا فساده ، فيجب بطلان قوله . وبعد ، فقد بينا ، في صدر هذا الكتاب وفي كتاب التولد ، أن الأفعال لا تقع الا من القادرين ، وأبطلنا / القول بأن فيها ما يقع بالطبع ، وأوردنا في ذلك ما يكفى ؛ وذلك يدل على بطلان هذا القول في المعرفة . وانما ظن هو رحمه اللّه أن الدواعي إذا قويت وصار القادر بحالة يختار معها لا محالة الفعل المخصوص ، فيجب أن يكون واقعا بالطبع ، ولم يعلم أنه قد يجب في القادر أنه لا يختار الا فعلا مخصوصا لقوة دواعيه ؛ وقد بينا صحة ذلك بالالجاء وغيره . وإذا صح عنده القول بأنه تعالى لا يختار الا الحسن ولا يفعل القبيح ، ولم يوجب ذلك في فعله أن يكون بالطبع ، وخارجا عن أن يكون باختيار ، فكذلك لا يمتنع مثله في الواحد منا إذا قويت دواعيه . وسقط أيضا ما يقوله « 1 » أصحاب الاتفاق في المعرفة ، لأنهم يقولون : متى اتفق من العاقل أن يعرف اللّه ، تعالى ، ثبت التكليف عليه من بعد ، والا فهو زائل ؛ فأما نفس المعرفة فلا يجوز أن يكلفها العبد . وهذا انما قالوه ، لظنهم أن المعرفة لا طريق لها يصح من العبد أن يفعلها عليه ؛ فإذا ثبت أن لها طريقا يفصل بينه وبين غيره ، فان المكلف قد يعرف ذلك الطريق ويحصل فيه وجه وجوب المعرفة . فلا فصل في الحال هذه بين من دفع صحة وجوبها وتناول التكليف لها ، وبين من دفع في سائر الأفعال . وقد كشفنا القول فيه .
هامش
( 1 ) ما يقوله : توجد بعد هذه الكلمة لفظة « من » زائدة في النص .