الفصل الأول من شبههم
انما عوّل القوم في هذا الفصل على أنه تعالى لو كلف المعرفة ، لوجب أن يكون من شرطه تقدم معرفته بما كلف ، على وجه يميزه من غيره مفصلا .
ومتى لم يصح ذلك في المعرفة ، فتكليفه يقبح ، كما يقبح ذلك في سائر الأفعال ، إذا لم يمكنه أن يعرفه ويميزه من غيره .
والّذي قد بيناه الآن ، / فيما تقدم ، يسقط هذا الكلام . لأنا قد ذكرنا أن حكم المعرفة عندنا وحكم سائر الأفعال في الشرط الّذي يقتضيه التكليف لا يختلف . وذلك الشرط الجامع للكل أن يتمكن المكلف من أدائه على الحد الّذي كلف ، وانما تختلف الأفعال التي يتناولها التكليف فيما يحتاج إليه المكلف ، حتى يمكنه القيام به . ففيه ما يحتاج مع القدرة إلى آلة ، وفيه ما يحتاج إلى أدلة أو علم ، إلى ما شاكل ذلك . ولا يجب من حيث اختلف في هذه الوجوه أن يختلف فيها الشرط الّذي ذكرناه ، بل الشرط متفق ، وما معه يحصل ذلك الشرط يختلف . فلا يمتنع في المعرفة خاصة أن لا يعتبر في حصولها أن يكون المكلف عالما بها على التفصيل من قبل ليتمكن من فعلها ، وان وجب اعتبار هذا الشرط في غيرها ، كما لا يجب إذا اعتبر في بعض الأفعال أن تقع عن سبب ، أن يعتبر ذلك في الكل ، لتحصل الشريطة التي ذكرناها في التكليف .
وإذا ثبت ، بما بيناه ، أن العاقل المكلف يتمكن من فعل المعرفة اللازمة له ، على الوجه الّذي كلف ، وان لم يتقدم علمه بها ، فقد سقط سائر ما ذكره في الفصل الأول ، وبطل أيضا القدح بذلك في كون المعارف مكتسبة وايجاب كونها ضرورية . وان كنا قد بينا في أول هذا الكتاب ،