قيل له : قد بينا أن ذلك ليس من شرط اختياره للعلم ، وانما يجب أن يعلم سببه أو الطريقة التي عندها يختار ؛ فأما تصور المعلوم ، فمما لا حاجة به إليه في اختيار العلوم .
فان قيل : كيف تجرى حاله ، فيما يختار من العلوم عند الانتباه من النوم ، على طريقة واحدة ؟ وهلا اختلفت أحواله ان كانت من فعله ؟ /
قيل له : انما يجب أن تتفق أحواله من حيث تتفق في الوجه الّذي يدعوه إلى اختيار العلوم ، كما تتفق أحوال القادر منا فيما يختاره من اجتلاب المنفعة إذا اتفقت أحواله في الدواعي إليه .
فان قيل : فيجب على ما ذكرتم أن يكون المنتبه من نومه يفعل العلوم في الثاني من حال انتباهه دون الأول ، لأن من حق الداعي أن يتقدم الفعل . والحال بخلاف ذلك ، لأنه كما ينتبه من نومه ، يعلم ما كان عالما به من قبل ؛ فيجب أن تكون هذه العلوم ضرورية .
قيل له : ان ضبط الأوقات على التفصيل مما لا يصح من العبد ، فكيف يمكن أن يقال : انه اختار ذلك في أول الحال دون ثانيه أو ثالثه ، حتى يحصل ذلك قدحا فيما قلناه بالدليل ؟ وبعد ، فغير ممتنع في الدواعي الظاهرة أن تكون في حال الفعل ، وانما يمتنع ذلك فيما يحتاج القادر فيه إلى التفكر في أحوالها ليعلم تعلقها بما هي دواع فيه . ألا ترى أن الواحد منا لا يدعوه ما في الكتاب من البعث على الطاعة والخير إلى الفعل في الابتداء ، الا مع الذكر والاستدلال ؟ فأما إذا تدبر وعرف ، فان ذلك يدعوه إلى الفعل في الحال ، فما الّذي يمنع من أن يفعل المنتبه من نومه العلوم في الحال لما هو عليه من الصفات التي قدمناها في الوقت ؟ فأما الشيخ أبو علي ، رحمه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 259
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٥٩