قيل له : فإذا كان هذا الذكر يجب حصوله لهذا المعنى ؛ فمن أين أنه المولد لهذه العلوم ؟ وهلا قلتم : انها واقعة على جهة الابتداء ، وان كانت لا تقع الا وحال العلم هذه ؟ ومتى جاز ذلك ، فقد بطل كونه سببا . وإذا بطل ذلك ، صح ما قلناه من أنه من فعل العبد . على أنه ان صح أن يكون من فعله تعالى ، وان كان لا بدّ من أن يفعلها والحال هذه ، فما الّذي يمنع من أن يكون من فعل العبد ، وان / كان لا بدّ من أن لا بدّ من أن يختاره ، والحال هذه . وقد علم أن من حق القادر أن يجوز أن لا يفعل مقدوره ، شاهدا كان أو غائبا . فإن كان ما ذكرتموه يقدح في قدرة العبد عليه ، فيجب كونه قادحا في أن ذلك من فعله « 1 » تعالى ، وهذا ظاهر السقوط .
وقد استدل شيخنا أبو علي ، رحمه اللّه ، على أن العلم لا يولد العلم ، بأدلة ذكرها . وأظن أنا قد ذكرنا في ذلك طرفا ، ونحن نذكر الآن بعضه .
فمما يدل على ذلك ، أنه لو ولد بعض العلوم بعضا ، لوجب أن لا يكون بعضه بأن يولد أولى من بعض ، لاشتراك الكل في الوجه الّذي عليه يولد ، لأنه مما لا تتغير حاله في كيفية تعلقه ولا في ايجابه لسكون النفس .
ولو كان كذلك ، لوجب أن يكون العالم بأشياء يتزايد علمه وان لم ينظر البتة في الأدلة ، ولوجب أيضا أن يكون العلم بالدليل في توليد العلم بالمدلول يغنى عن النظر . وفي علمنا بأن العالم بالأدلة لا يستغنى عن النظر فيها لكي يعلم المدلول ، دلالة على فساد هذا القول . على أنه لو ولد بعضها بعضا ، لم يخل من أن يولد العلم بما يماثله أو يولد ما يخالفه ؛ ولو ولد ما يماثله ، لوجب أن يولد في حالة واحدة ما لا نهاية له . لأنه
هامش
( 1 ) فعله : في الأصل « فعل » .