الذكر هو من العلوم الضرورية ، وجب كون هذا العلم ضروريا . لأن المسبب يجب أن يكون من فعل فاعل السبب ؛ فإذا كان السبب من قبله سبحانه ، فكذلك المسبّب .
فان قيل : وهل الغرض الا ما ذكرتموه ؟ لأنا قصدنا بذلك أن نبين أن هذه المعارف يجب أن تكون ضرورية وأن لا تدخل تحت التكليف .
فكيف يقدح فيما أوردناه بهذا الوجه ؟ /
قيل له : ان هذه العلوم لو كانت من فعله تعالى ، لصح أن يفعلها في المنتبه من رقدته من غير حصول هذا الذكر . لأنه تعالى يصح أن يفعل مثل ما نفعله متولدا على جهة الابتداء ، ولو صح ذلك ، لجاز في المنتبه من نومه أن يعلم ما كان يعلمه من قبل ، وان لم يتذكر شيئا من أحواله ، وهذا محال .
فان قال : ان ذلك انما يستحيل ، لأن تلك العلوم كالفرع عليه .
قيل له : لو كان كذلك ، لوجب في الابتداء أن لا تحصل له هذه العلوم الا مع العلم بأحوال له سابقة . فإذا بطل ذلك ، بطل ما ذكرته .
فان قال : انى أجوّز ذلك ، لكنه بخلاف العادة .
قيل له : فيجب أن تجوّز ، في غير هذا الوقت وفي غير هذا المكان ، أن تكون العادة في العقلاء منهم جارية على أن المنتبه منهم ، بعد النظر الطويل وحصول المعرفة له بالتوحيد والشرائع ، يعلم ما كان عالما به من قبل وان لم يتذكر أحواله ؛ وقد علمنا أن ذلك فاسد .
فان قيل : انما يفسد ذلك من حيث لا يجوز في الكامل العقل أن يسهو عن الأمور العظيمة التي تقدمت منه ؛ ولولا ذلك ، لصح ما ذكرتم .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 256
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٥٦