لا يجوز أن يقال فيه : انه يولد في الثاني ، كما نقوله في النظر والاعتماد ، لأن فيهما علة تقتضى تأخير ما يولدانه عنهما ؛ وليس كذلك لو ولد مثله ، فكان يجب أن يولده في الحال ، ثم كذلك كل جزء منه ، فيؤدى إلى ما لا نهاية له ؛ وقد علمنا أن ذلك محال . ولو ولد ما يخالفه مما يجوز أن يجتمع معه ، لوجب فيه مثل هذا الوجه ، لأنه كان يجب أن يولده / في الحال ؛ ثم المولد يولد ما يخالفه في الحال ، فيؤدى إلى ما لا نهاية ، على ما قدمناه . وان ولد ما يخالفه مما لا يجوز أن يجتمع معه ، فقد كان يجب فيمن يزداد علمه أن ينقص من علومه المتقدمة ، مثل الّذي زاد . وقد علمنا أن الحال بخلاف ذلك في العقلاء الذين يكتسبون العلم وتتزايد علومهم ، فإذا بطل ذلك ثبت أن العلم لا يولد العلم البتة ، وأن المنتبه من رقدته انما يختار مثل ما كان علمه ، للوجه الّذي بيناه من قبل .
فان قيل : هلا قلتم انه عند الانتباه من النوم يفعل النظر فتتولد عنه العلوم التي تحصل له ، كما كان في الأول ؟
قيل له : قد بينا فساد ذلك بأنه كان يجب أن يجد ذلك من نفسه ، لأن الفكر الطويل مما لا يخفى على النفس تأثيره . وقد علمنا أن حال المنتبه مباينة لذلك ، وكان يجب أن يمتد وقت نظره حتى يحصل عالما بكل ما كان من قبل عالما به . لأن النظر ، فيما يتصل بالتوحيد والعدل والشرائع ، لا بدّ من أن يترتب بعضه على بعض ، فيجب لذلك أن يمتد وقت حصوله .
وفي بطلان ذلك ، دلالة على أنه يختار العلوم التي ذكرناها .
فان قيل : كيف يختارها في حال الانتباه ، وهو غير متصور للمعلوم مفصلا ؟
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 258
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٥٨