فان قيل : قولوا ان الّذي يولد العلم للمنتبه ليس هو العلم بالدليل ، وانما هو العلم بنظره من قبل ، وأنه أوجب اعتقادا سكنت نفسه إلى معتقده ، وذلك غير حاصل له قبل الانتباه .
قيل له : لو كان الأمر كما قدرته ، لوجب أن يولد له العلم وان دخلت عليه شبهة ، لأن ورودها عليه لا يخرجه من أن يكون السبب على الوجه الّذي يولد قد حصل والقلب محتمل للعلم . فلما بطل ذلك ، ثبت أن العلم / الّذي يقع له مما يختاره على جهة الابتداء ، لا أنه متولد .
فان قيل : أليس العلم وان كان يتولد عن النظر ، فإنه مع ورود الشبهة لا يولد ؟ فجوّزوا أن يولد ما ذكرناه العلوم ، وان كان من شرطه فقد الشبهة .
قيل له : انه إذا نظر وهو عالم بالدليل ، فوروده لا يمنع من توليد النظر العلم ، وانما يمتنع إذا لم يعرف الأدلة . لأن العلم كالأصل للعلم بالمدلول ، فلا يصح أن يولد العلم . وليس كذلك الحال فيما بيناه ، لأنه ان كان الّذي يولد المعارف في المنتبه هو تذكره للنظر ولما كان عليه من قبل ، فيجب أن يولد . وذلك لأن الشبهة لا تغير حاله في الضروريات ، وهذا الذكر من العلوم الضرورية . وانما صح فيها أن تغير حال الناظر ، لأنه انما ينظر في الأدلة وكيفية تعلقها بالمدلول ، وحاله يختلف في ذلك عند ورود بعض الشبه عليه . فأما حال المنتبه ، فإذا لم يتغير في الوجه الّذي ذكرناه ، فكيف يجوز أن تمنع الشبهة من توليده ؟ وهل هذا القول الا بمنزلة من جعل السبب غير مولد لأمور لا تعلق لها به البتة ؟ وبعد ، فلو كانت العلوم التي يفعلها المنتبه تتولد عن الذكر الّذي وصفه السائل ، وذلك
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 255
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٥٥