تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
الجهل ، فسبيل هذا العلم الّذي يختاره سبيل سائر أفعاله ، في أنه قد يجوز أن لا يفعله على بعض الوجوه . فليس لأحد أن يقول فيما يفعله من هذه العلوم : انها في حكم الضرورية في أنه لا بدّ من وقوعها ، ويقدح به في قولنا : ان المعارف مكتسبة . فان قيل : أليس كل فعل يختاره العبد قد يجوز ، وحاله واحدة ، أن يختاره وأن لا يختاره ؟ أفتجوزون في المنتبه من نومه ، وحاله ما ذكرتم ، / أن يختار العلم مرة ولا يختاره أخرى ؟ قيل له : ليس الأمر كما قدرته في سائر الأفعال ، لأن فيها ما لا يجوز من العبد أن لا يفعله إذا قويت دواعيه ، وأنه يجوز أن لا يختاره بأن تتغير حاله في الدواعي . وقد بينا ، من قبل ، وجوها كثيرة منها الالجاء وغيره . فإذا صح ذلك ، بطل ما توهمته ، وصح لنا ما قلناه من أن هذا العلم من فعل العبد ، وان كان انما لا يختاره عند ورود شبهة عليه لولاها كان يجب أن يختاره لا محالة . وانما كان الأمر كذلك ، لأنه إذا ذكر عند الانتباه من نومه ما كان من النظر وما حصل عليه من سكون النفس ، وتذكر سائر ما علمه ، وقد عرف في الجملة قوة الدواعي إلى العلوم والاسترواح إلى سكون النفس عن خلافه ، فسيختار فعل العلم لا محالة لقوة هذا الداعي وما له من المزية على كثير من الدواعي ، ويحل ذلك محل الشديد الجوع المتمكن من الأكل في أنه سيختار ذلك لا محالة إذا لم يكن هناك صارف ، فان اتفق أن خبّره مخبر في ذلك الطعام اللذيذ عند الجوع الشديد أنه مسموم ، فذلك يصرفه عن تناوله ، فيعلم بذلك أن للأكل فعله لجواز انصرافه عنه على بعض الوجوه . وكذلك متى علمنا جواز المتنبه من نومه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 253 | القاضي عبد الجبار الهمذاني