منه الاضرار بالغير إذا قويت دواعيه ، وان كان يقبح ذلك مع فقد الدواعي .
أو ليست الدواعي قد تدعو إلى القبيح والحسن على حد واحد ؟ فكيف جاز أن يفصلوا بين هذين الاعتقادين لأمر يرجع إلى الدواعي فقط ؟
قيل له : ليس الأمر كما قدرته لأنا لا نوجب حسن المعرفة الواقعة من المنتبه من نومه لوقوعها عن الدواعي ، لأن سائر ما يفعله من الاعتقادات القبيحة انما يفعله عند الدواعي أيضا ، وانما أوجبنا حسنه ، لوقوعه عند طريقة مخصوصة قد عرفها من قبل وعرف حكمها . فإذا ذكر حاله واختار مثل ما كان عليه ، وجب أن يحسن منه ، لأنه لا يقع كذلك الا / وهو علم ، فإنما قضينا بحسنه عند أمر مخصوص . وان كان ذلك الأمر من جملة الدواعي ، فلا يلزم عليه حسن سائر أفعاله إذا اختارها عند الدواعي .
فان قيل : أليس ، وان كان حاله فيما يفعله من العلوم على ما ذكرتم ، فلن يخرج من أن يكون مبتدئا باعتقاد لا يأمنه جهلا ؟ وهذا يوجب قبح الاقدام عليه ، كما يوجب ما ذكرتموه حسن الاقدام عليه . ووجه القبح إذا اختص الفعل ، وجب القضاء بقبحه ، وان كان فيه وجه من وجوه الحسن .
قيل له : ان الاعتقاد الّذي لا يأمن فاعله أن يكون جهلا ، انما يقبح متى لم يتعلق وجوده بوجود غيره من الأسباب الموجبة . أو لم يختره من قد عرف طرائق العلم من قبل ، وفصل بينه وبين غيره ؟ لأنه إذا عرف ذلك ، وتذكر نظره ، وما حصل عليه بعد النظر من سكون النفس إلى ما عرفه ، صار ما يختاره من الاعتقاد عنده في أنه قد اختاره عند أمر يبعد كونه جهلا ويقرب كونه علما ، أبلغ مما يفعله عن النظر ، فوجب القضاء بحسنه . يبين
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 251
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٥١