الّذي هو علم من الحكم ما ليس لغيره من الاعتقادات ، وما يصير به بخلاف منزلة من لم يتقدم منه النظر ، فيصير ذلك الأمر بمنزلة النظر الّذي يولد العلم أو أقوى منه ، فيحسن منه أن يفعل العلم ، ويصح منه ذلك ، ويحسن من المكلف أن يكلفه على هذا الحد .
فان قيل : وما ذلك الوجه الّذي يصير للعلم معه ما ليس لغيره ؟
قيل له : انه إذا كان قد نظر فيما يجب ، وعرف الدلالة التي نظر فيها ، ووقعت له المعرفة بالمدلول ، وسكنت نفسه إلى ذلك ، ثم اتنبه بعد نومه فذكر أحواله التي تقدمت ، فلا بد من أن تكون داعية له إلى أن يفعل التي يعلم بها ما كان عالما من قبل ، وتقوى دواعيه إلى ذلك ، فيصير علمه بذلك كالطريقة للعلم الّذي يختاره . ومثل ذلك غير ممتنع ، على ما بيناه من قبل في باب النظر ، لأنه / بمنزلة من التجأ إلى كنّ بعد طلب شديد تحرزا من مطر وخوف ، ثم ورد ذلك الموضع والحال هذه ، ودواعيه تقوى إلى طلب ذلك الكنّ ، وان كان في الابتداء احتاج إلى طلب شديد وظفر به من بعد . فكذلك إذا كان قد علم بالنظر ما يلزمه ، ثم تذكر حاله عند الانتباه ، دعاه ذلك إلى اختيار مثل ذلك العلم ، ويصير حصول الدواعي القوية له في أنه بأن يختار العلم أولى من غيره ، بمنزلة نظره في الدليل أو لا في أنه يجب عنده العلم دون غيره ؛ ويفارق بذلك ما يبتدئه من الاعتقادات لأنها إذا لم يتعلق وجودها بسبب أو ما يجرى مجراه لم تنفصل حاله من حال الجهل ، فقبح الاقدام عليه .
فان قيل : فهل يجوز أن يحسن من العبد فعل يقبح الابتداء بمثله ، لأمر يرجع إلى أن له إلى فعله دواع ؟ ولئن جاز ذلك ، ليجوزن أن يحسن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 250
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٥٠