تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
وربما قالوا : / ان من حق الواجب أن يعلم من وجب عليه ما يستحق على تركه من العقاب ، ليتحرى فعله ويتحرز من تركه ؛ فإذا لم يصح ذلك في النظر والمعرفة ، فكيف يقال بوجوبها ؟ وربما قالوا : لو وجبا على المكلف لوجبا عليه عند الخاطر والداعي ، وهو يجوّز في الأمرين أن لا يكون لهما حقيقة : ويجوّز في الخبر الوارد عنهما أن يكون كذبا ، فكيف يتعلق وجوبهما بما هذا سبيله ؟ وربما قالوا : انه قد ثبت أنه لا يحسن من المرء أن يبتدئ بالاعتقادات ، لأنه لا يأمن فيها قبل فعلها أن تكون جهلا ، وما يفعله عن النظر هذا سبيله ، لأنه يجوز قبل وقوعها أن تكون جهلا . فلو وجب عليه ، لكان قد وجب عليه الاقدام على ما يجوز أن يكون قبيحا ؛ ويحل ذلك محل أن يوجب عليه الاخبار عما لا يحقه ، فكما أن ذلك يقبح لتجويزه فيه قبل وجوده أن يكون كذبا ، فكذلك القول في الاعتقاد ، فيجب أن لا يحسن منه تعالى أن يوجب على أحد النظر والمعرفة . وربما قوّوا ما ذكرناه بأن الصبى والمجنون انما لا يحسن أن يكلفا الفعل لأنه لا يمكنهما معرفة ذلك على وجه يصح الاقدام عليه والتحرز منه . فإذا ثبت أن هذه العلة موجودة في النظر والمعرفة ، خاصة في العقلاء ، فيجب أن يكون حالهما في أن العقلاء لا يجوز أن يكلفوا هذين بمنزلة تكليف سائر الأفعال فيمن لا عقل له ، لأن العلة واحدة . وربما قالوا : إذا صح أن الانسان لا يؤاخذ بما يرد عليه في صومه وصلاته ، من حيث زال عنه العلم بهما ، فيجب فيما لا علم له به من الأفعال ابتداء أن لا يحسن / منه تعالى أن يكلفه المرء ، وهذا سبيل المعرفة .