ذلك لا يؤثر في صحة وجود المسبب عليه ، وحسن تكليفه تعالى إياه . فإنما يقدح في ذلك أن لا يعرف السبب أو لا يتمكن من معرفته ، فأما إذا علمه بعينه وميّزه من غيره فإنه يمكنه التوصل بفعله إلى ايجاد المسبب ، فلا وجه لاشتراط المعرفة بالمسبب وهذا حاله . ومثاله أن يعلم تعالى أن الرامي رمى على سمت مخصوص فان رميه يوجب الإصابة ولا يعلمه المكلف ، فقد علمنا أنه يجوز أن يكلف الإصابة بتكليف سببه لأنها تقع منه وهو غير عالم بها بايجاده سببها على الحد الّذي كانت تقع لو علمها وفعلها على جهة الابتداء ، وكذلك القول فيمن يختم على الطينة والشمعة ويطبع عليها بضرب من النقوش أنه يصح أن يكلف ذلك ، من حيث علم أنه متى فعل ذلك حصل الختم على حد مخصوص لأجل وجود سببه ، كما كان يحصل لو ابتدأه ولم يذكر ذلك ليستدل به ؛ لأن الّذي أوردناه هو الأصل في هذا الباب كله . ولو أن منازعا خالف في الجميع ، لرجعنا إلى ذلك الأصل واعتمدناه ، وانما أوضحنا به الكلام . .
فإذا صحت هذه الجملة ، فيجب أن يحسن منه تعالى أن يوجب على المكلف المعرفة به وبتوحيده وعدله ، وان لم يتقدم العلم بأن يجعل له السبب إلى العلم بالنظر الّذي يولد ذلك على وجه يميزه من غيره ، فيصل بفعله إلى فعل المعرفة . فإذا كانت المعارف مختلفة وللنظر الموصل إليها طرائق ، فعرّفه تعالى جميع ذلك ليفصل / بين أعيان النظر وبين ما خالفها ؛ فيكون تكليفه ذلك ، والحال ما ذكرناه في أنه تكليف لما قد أوجده السبيل إلى ايقاعه على الوجه الّذي وجب ، بمنزلة تكليف سائر العقليات والسمعيات
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 237
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٣٧