حال المعرفة ما ذكرنا ووجدوا سائر الأفعال التي يكلف ( بها ) « 1 » الانسان من حقه أن يصح منه أن يعلمها بعينها ويميز بينها وبين غيرها ، ومتى لم تكن هذه حالها لمكلّف لم يصح من الحكيم أن يكلفنا ، دعاهم ذلك إلى أن قالوا : ان هذه المعارف لا يجوز أن تجب على الانسان ، ولا يجوز من الحكيم أن يكلفها . ورأوا أنه لا بدّ من معرفة اللّه ، سبحانه ، في تكليف الشرائع والقيام بالواجب ؛ واعتقدوا فيها أنها ضرورية أو واقعة بالطبع ، إلى غير ذلك . حتى أن في الناس من دعاه ذلك إلى أن قال : ان المعارف وان كانت مكتسبة كما يقولون ، فلن يجوز منه تعالى أن يوجبها علينا ، وان اتفق أن ينظر الانسان وتقع له المعرفة باللّه ، تعالى ، كلف الأفعال ؛ وان لم يتفق ذلك منه ، فهو غير ملوم . وجعلوها من شرائط التكليف فيما عداها ، وجوزوا وقوعها على سبيل الاتفاق والتبخيت ، ومنعوا لأجل ذلك دخولها تحت التكليف .
ووجه آخر : وهو أنهم ظنوا في المكلف أنه إذا لم يعرف المعرفة بعينها فغير جائز أن يعلم سببها بعينه . فقالوا : إذا لم يفعلها ولا علم النظر الّذي يجب عنها عندكم ؛ فكيف يصح وجوبها عليه ؟
ووجه آخر : وهو أنهم ظنوا أن المكلف لا يعرف الفرق بين النظر الّذي من حقه أن يولّد المعرفة ، وبين النظر الّذي لا يولدها كالنظر في أمور الدنيا . / فقالوا : إذا كان الغرض بالنظر لو كان واجبا أن يوصل به إلى المعرفة ، والحال في النظر ما ذكرناه ؛ فكيف يصح وجوبها عليه ؟ وكيف يحسن من الحكيم أن يوجبها ؟
هامش
( 1 ) بها : أضيفت كي يستقيم النص .