يؤديه على الوجه الّذي وجب ولزم ، فإذا تمكن من ذلك ففقد سائر الشرائط لا يؤثر في هذا الباب . وقد علمنا أن ايجاد الشيء على الوجه الّذي وجب عليه قد يمكن أن يفعله ابتداء وقد يمكن بأن يفعل ما يحب وجوده بوجوده . ولا فرق بين هذين الطريقين في أن معهما يمكن الأداء ، لأن الغرض أن يؤدى ما وجب عليه بأن يوجده ، فإذا أمكنه أن يوجده بايجاد سببه الّذي يجب وجوده عنده فهو بمنزلة أن يتمكن من ايجاده ابتداء .
فإذا صحت هذه الجملة ، وعلمنا أن الّذي يوجده على جهة الابتداء ، انما يتمكن من أدائه على الوجه الّذي وجب بأن يعرفه بعينه وبما يختص به من صفاته ، فلا بد من أن يعرف ذلك ليصح منه أن يفعله . ومتى لم يعلم ذلك أو لم يتمكن من معرفته ، فإيجابه عليه بمنزلة ايجاب ما لا يقدر عليه .
ولذلك قلنا : ان تكليف الصبى والمجنون الأفعال التي لا يصح منهما أن يعرفاها ، بمنزلة تكليف ما لا يطاق في القبح . لأن مع المعرفة بعين هذا الفعل ، يصح الوصول إلى ايقاعه على الوجه الّذي وجب ، كما يصح ذلك فيه مع القدرة والآلة ؛ فإذا وجب بفقدهما ، قبح تكليفه ؛ فكذلك القول مع فقد المعرفة . فأما الأمر الّذي يتعلق وجوده بوجود سببه ، فإنما يجب أن يعلم المكلف سببه ويفصل بينه وبين غيره ، فعند ذلك يمكنه ايجاد المسبب على الوجه الّذي وجب ، كما لو علم المسبب وصح ذلك فيه لأمكنه ايجاده على هذا الحد . فما هذا حاله ، انما يجب أن يعلم المسبب ويميزه من غيره ليصل بايجاده إلى ايجاد المسبب على الوجه الّذي وجب .
ووجود علمه / بالمسبب كعدمه في أنه على كلا الحالين يمكنه أن يؤديه على حد واحد ، وإذا كان الحال فيه ما ذكرنا ، فسواء علمه أو لم يعلمه في أن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 236
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٣٦