فان قال : هلا قلتم : انه يمتنع على الانسان فعل المعرفة لحصول ما يجرى مجرى الضد لها .
قيل له : ان الّذي بهذه الصفة لا بدّ من أن يكون ضدا لما تحتاج المعرفة إليه في الوجود . وقد علمنا أنها لا تحتاج الا إلى الحياة وصفة القلب ، وكلا الأمرين حاصل ، فلا يجوز أن يقال : انه ممنوع من فعلها .
وليس لأحد أن يقول : ان كل معرفة تحتاج إلى بنية سوى ما تحتاج المعرفة الأخرى إليه ، كما نقول في الحروف الواقعة باللسان ؟ وذلك لأن الواحد منا يتمكن من فعل كل أجناس الاعتقادات إذا كان عاقلا قادرا ، وانما صح ما ذكرته في الحروف ، لأنه قد يتعذر عليه بعض الحروف ويتأتى منه سائرها / كالألثغ وغيره . وليس لأحد أن يقول : ان العلوم قد تحتاج إلى علوم ، فمتى لم تكن حاصلة لم يصح وجود ما هو في قلبه ؛ فجوّزوا أن لا تتمكن من المعرفة بفقد العلوم التي هي أصول هذه المعرفة . وذلك لأن المعارف التي يكتسبها لا تتعلق الا بالعلوم التي هي كمال العقل والتي بها تعرف الأدلة ، فمتى حصلت معا لم يجز أن يكون هناك منع في هذا الباب .
فان قيل : أليس النائم قد يعتقد بعض الاعتقادات ، ومع ذلك ففي قلبه متع مما يكمل به العقل ؟ فهلا جاز أن تختلف حال ما تحتاج العلوم إليه في القلب ؟
قيل له : ليس الأمر كما ظننته ، لأن قلب النائم يحتمل كل العلوم ، وانما لا تحصل فيه لأنه تعالى لا يخلقها فيه لضرب من المصلحة ، ولو شاء أن يخلقها أجمع لوجدت . لكنها لو وجدت لم يكن يوصف أنه نائم ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 221
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٢١