وثبت أن المعرفة بمنزلة الإرادة والحركة في أنها تقع من العبد باختياره وعن قدرته .
فان قيل : انه إذا قويت دواعيه إلى المعرفة ، صار ملجأ إلى فعلها ، فيجب أن يكون بمنزلة المطبوع .
قيل له : انك بهذا السؤال قد خرجت عن الطريقة ، لأنا انما أردنا بما تقدم بيان زوال الموانع ، والفعل الواقع من القادر على حد الالجاء لا يكون الا من / فعله وعن قدرته ، ولا يكون منع بوجه من الوجوه لأنه باختياره يقع ، وانما تدخل هذه المسألة ، فيما نذكره من بعد ، في أنه يحسن منه تعالى أن يكلف العبد المعرفة ؛ لأن من شرط التكليف في الفعل زوال الالجاء عنه .
فان قيل : هلا قلتم : ان المعرفة بمنزلة الفعل المحكم الّذي لا يصح وقوعه الا من العالم بكيفيته ، فما لم يعرفها القادر ويعرف معلومها لا يمكنه أن يفعلها ؟ والمكلف غير عالم بالمعارف التي يفعلها ، فكيف يصح أن يكون ممكّنا من فعلها ؟ وهذا يوجب كونه ممنوعا عن فعلها لفقد العلم الّذي يحتاج في فعلها إليه ، كما يمتنع على القادر الفعل المحكم إذا فقد العلم بكيفيته .
قيل له : ليس الأمر كما ظننته ، لأن المعرفة يصح منا فعلها إذا حصلت فينا العلوم التي تتناول أصول الأدلة ويكمل بها العقل ، وان لم يعلم المرء نفس هذه المعرفة ونفس معلومها من قبل . فهو موافق للفعل المحكم في أنه لا يجوز أن يفعلها الا وهناك ضرب من العلوم ، ويفارقه في أن المعلوم المحتاج إليها في الفعل المحكم يجب أن يتناول كيفية نفس ذلك الفعل ؛ وليس
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 224
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٢٤